الثلاثاء، 24 مايو 2022

إسقاط الادعاء بأن يسوع المسيح هو المقصود بالأول والآخر في سفر الرؤيا

 في هذا الموضوع سنقوم بتفنيد الادعاء بأن يسوع المسيح حمل من الأسماء الحسنى المُعبرة عن الألوهية، حيث ورد الادعاء في ذلك فقيل:

🔴 ذكرت المصادر الإسلامية عن اسمي الاول والأخر فقالت: الاول هو الذي لم يسبقه في الوجود شيء فهو أول قبل الوجود. والْآخِرُ: هو الباقي بعد فناء خلقه، البقاء الأبدي يفنى الكل وله البقاء وحده، فليس بعده شيء.

وورد في سفر الرؤيا من الكتاب المقدس العهد الجديد رؤ 1: 11 قائلا على لسان يسوع المسيح: «انا هو الالف والياء. الأول والاخر» فبذلك تثبت ألوهية يسوع المسيح.

🟢 ونقول ردًا على هذا الادعاء:

تسليط الضوء على ما يُدّعى أنها تصريحات واضحة لإعلان الألوهية ليسوع (في سفر الرؤيا)

تمهيد

مبدئيًا لقراءة سفر الرؤيا يجب الإحاطة بأمر هام جدًا والتركيز في تفاصيل سرده، لأن سيناريو الأحداث متداخل ومُركب، فيجب ملاحظة أن الحوار يكون بين أربعة هم (1) الله، (2) يوحنا، (3) الملاك، (4) يسوع. لذا يجب التمييز والتركيز في كل تفصيلة تحويلية في مجرى الكلام لتجنب التداخل الذي سيؤدي إلى ارتباك المعنى أو تسطيحه.

المقدمة

وأعطي مثال على ذلك التمهيد من صدر سفر الرؤيا:

حيث يذكر «إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ مُرْسِلاً بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا، الَّذِي شَهِدَ بِكَلِمَةِ اللهِ وَبِشَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مَا رَآهُ»

والمقصود منه بوضوح هو التالي:

(هذا هو الإعلان الإلهي الذي أعطاه الله ليسوع المسيح، من أجل إعلام المؤمنين ما سيكون قريبًا. هذا الإعلان مُصاغ كوحي في رؤيا بواسطة ملاك إلى يوحنا الرائي، الذي آمن بالله، وصدق بالمسيح وسار على نهجه)

فكما هو واضح، قد عرَّفت هذه المقدمة ماهية أطراف الحوار، وميزت بينهم وعليه سنشرح تفاصيله.

أولًا — تشذيب المختلف فيه

سنقوم بعملية تشذيب للتخلص من الزيادات بخصوص تلك التصريحات، التي سنأتي عليها، والتي يبدو للمسيحيين أنها (واضحة في إثبات الألوهية ليسوع).

ففي البداية يرد التصريح «أنا الألف والياء..» في الإنجيل بسفر رؤيا يوحنا اللاهوتي ست مرات، ومواضعها هي: ١/ ٨، ١/ ١١، ١/ ١٧ و٢/ ٨، و٢١/ ٦، و٢٢/ ١٣.

وبكل بساطة نستطيع أن نعتبر العددين ١/ ٨ و١/ ١١ في حكم العدم، أي غير موجودين، والسبب أنهما لا يرتقيان إلى اتفاق النسخ المختلفة للكتاب المقدس حولهما لمختلف الطوائف.

فبعض النسخ تضيف في العدد ١/ ٨ كلمتي (البداية والنهاية) بعد كلمة «أنا الألف والياء» بينما نجد نسخ أخرى لا تذكر هذه الإضافة.

فأيهما أوثق، وأيهما أصح؟! لا نعلم، فننبذها بالكلية.

◆◆ وكذلك في العدد ١/ ١١، فبعض النسخ تضيف (أنا هو الألف والياء، الأول والآخر) في حين تهملها بعض النسخ الأخرى تمامًا، ولا تذكرها في هذا العدد وفي كل الفقرة مطلقًا.

لذا فنحن ننبذها تمامًا؛ فإن لم يتفق المسيحيون عليها، فلا نتصدى نحن لتوضيحها.

ثانيًا — من هو الأول والآخر؟ تفصيل العدد ١٧ من الأصحاح الأول

بتسليط الضوء على الآية ١/ ١٧ والتي هي على لسان الرائي يقول: «فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً لِي: "لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ"» يظهر أنه ليس فيها ما يشير إلى أن المقصود هو يسوع المسيح مطلقًا. فإذا رجعنا قليلًا إلى الآيتين ١٢، ١٣ من نفس الأصحاح لنقرأ «فَالْتَفَتُّ لأَنْظُرَ الصَّوْتَ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعِي. وَلَمَّا الْتَفَتُّ رَأَيْتُ سَبْعَ مَنَايِرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ»، فيتضح لنا من هذا النص الاستنتاج التالي: -

فهو يجعل المذكور "نكرة"، وليس يسوع المسيح "ابن الإنسان" الذي يعرفه يوحنا جيدًا، فهو من تلاميذه المقربين، بل ومن أقرب المقربين.

◆◆ ثم أننا من البدء (أي من سفر التكوين) عرفنا أن الله خلق الإنسان على صورته تك ١/ ٢٧، فمن ذلك نستنتج أن المقصود فيها هو الله عز وجل، جاء إلى يوحنا متمثلًا في شكل إنسان. (ليس متجسدًا، بل متمثلًا، لأن الحال حال رؤيا روحية وليس حالة مادية ليكون تجسدًا).

ثالثًا— من المتكلم؟ تفصيل العدد ٨ من الأصحاح الثاني

وفي الآية ٢/ ٨ فهي استمرار قوي وواضح لما سبق الحديث عنه في ١/ ١٧. فالمتكلم هو الله عز وجل، دون أدنى إشارة لشخص المسيح أو غيره. وعن القول: «الذي كان ميتًا فعاش» فالمقصود به كذلك هو الله الذي كان ذكره ميتًا في قلوب الناس، وظهر وتجلى في أرواح المؤمنين به ببعثة السيد المسيح.

وهناك [دليلين] على ذلك: -

لم يذكر سفر الرؤيا مطلقًا شيئا عن الصليب أو موتًا حصل عليه، وبالتالي لا تكون هذه الآية قاصدة شخص المسيح.

◆◆ أن الله كان ذكره ميتًا في قلوب بني إسرائيل، وقد صرح يسوع لهم بهذه الآفة فيهم، وعليها ذكر المثل الوارد في لوقا ١٥/ ١١-٣٢

رابعًا — الجالس على العرش تفصيل العدد ٦ من الأصحاح ٢١

في ٢١/ ٦ من سفر الرؤيا، نجد أن محور هذه الآية هي كلمة «الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ» في الآية التي تسبقها، فهي تقصد وتخص ذلك الذي يجلس على العرش، وحين استقصاء ماهية ذلك الجالس على العرش وجدناه هو الله وحده، وليس آخر كيسوع المسيح مثلًا؛ بل إن هناك في نفس الأصحاح تفريق واضح بين هذا الجالس على العرش، وبين مواصفات الشخص الذي (يمكن) اعتباره المسيح.

وللوقوف بوضوح على التمييز الواضح بين الله عز وجل (الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ) وبين من يمكن اعتباره أنه المسيح، أدعوكم لنقرأ معًا الأصحاح الرابع من سفر الرؤيا من بدايته إلى نهايته، ودخولًا إلى الأصحاح الخامس حتى العدد ٥ منه. [وأخبرونا ماذا وجدتم].

{1بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِي السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِي سَمِعْتُهُ كَبُوق يَتَكَلَّمُ مَعِي قَائِلاً: «اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا». 2وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِي الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِي السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. 3وَكَانَ الْجَالِسُ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِي الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ. 4وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ. 5وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِيَ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ. 6وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِي وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ: 7وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ، وَالْحَيَوَانُ الثَّانِي شِبْهُ عِجْل، وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ، وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ. 8وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ حَوْلَهَا، وَمِنْ دَاخِل مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا، وَلاَ تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلاً قَائِلَةً: «قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِي يَأْتِي». 9وَحِينَمَا تُعْطِي الْحَيَوَانَاتُ مَجْدًا وَكَرَامَةً وَشُكْرًا لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، 10يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: 11«أَنْتَ مُسْتَحِق أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ».}

(رُؤْيَا يُوحَنَّا اللاَّهُوتِيِّ 4/ 1-11)

{1وَرَأَيْتُ عَلَى يَمِينِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ سِفْرًا مَكْتُوبًا مِنْ دَاخِل وَمِنْ وَرَاءٍ، مَخْتُومًا بِسَبْعَةِ خُتُومٍ. 2وَرَأَيْتُ مَلاَكًا قَوِيًّا يُنَادِي بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «مَنْ هُوَ مُسْتَحِق أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ؟» 3فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ فِي السَّمَاءِ وَلاَ عَلَى الأَرْضِ وَلاَ تَحْتَ الأَرْضِ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ. 4فَصِرْتُ أَنَا أَبْكِي كَثِيرًا، لأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مُسْتَحِقًّا أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَقْرَأَهُ وَلاَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ. 5فَقَالَ لِي وَاحِدٌ مِنَ الشُّيُوخِ: «لاَ تَبْكِ. هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، أَصْلُ دَاوُدَ، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ وَيَفُكَّ خُتُومَهُ السَّبْعَةَ».}

(رُؤْيَا يُوحَنَّا اللاَّهُوتِيِّ 5/ 1-5)

خامسًا — إعلانات إلهية وأخيرًا، تسليط الضوء على ٢٢/ ١٣

ونسلط الضوء على الآية ٢٢/ ١٣ من سفر الرؤيا، وهنا نحتاج إلى التركيز قليلًا، لأن الصياغة متراكبة جدًا، وقد يختلط الحابل بالنابل إذا لم نفهم طريقة السرد.

نلاحظ أنه من بداية الأصحاح ٢٢، فالقديس يوحنا الرائي يتحدث عما أطعله عليه الملاك، وكل الحوار هو بينه وبين هذا الملاك المرسل.

— في الآية عدد ٧ وهي بين قوسي تنصيص «…» هي إعلان إلهي، على لسان الملاك ينقله بنصه، وفي هذا الإعلان إخبار بإتيان مبعوث من الله [بدليل] قول الملاك عن نفسه وهو المخبر بهذا الإعلان أنه عبد كبقية الأنبياء، والذي منهم واحد سيأتي ويُكلف بتحقيق هذا الإعلان الإلهي.

— وكذلك تكون الآية في العدد ١٢ إعلان إلهي آخر، داخل قوسي تنصيص أيضًا «…» على لسان نفس الملاك، ينقله بنصه –فالسياق لم يتغير فيه شيء– و[بدليل] آخر قول الملاك: "طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ" أي وصايا [الله] المُعلِن بهذه الجملة في رؤ ٢/ ٢-١٣ قائلًا: «وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لِأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ. أَنَا الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الأَوَّلُ وَالآخِرُ» فهذا قول إلهي محض، ينقله ملاك الله، ويتلوه يوحنا الرائي.

سادسًا — هل يُخبر ختام السفر أن يسوع هو الله؟

— كلا، ففي نهايته كما في بدايته، هناك تمييز واضح بين أطراف الحوار، وقد تم تدوين نهاية نفس الإعلان الذي ابتُدئ به فقيل: «"أَنَا يَسُوعُ [المكلف بالإعلان الإلهي]، أَرْسَلْتُ مَلاَكِي [إلى يوحنا] لأَشْهَدَ [أرشدكم، أعلمكم، أبين] لَكُمْ بِهَذِهِ الأُمُورِ [بواسطة الكشف الرؤيوي] عَنِ الْكَنَائِسِ. أَنَا أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ. كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ». وَالرُّوحُ وَالْعَرُوسُ يَقُولاَنِ: «تَعَالَ». وَمَنْ يَسْمَعْ [أي من يعلم] فَلْيَقُلْ: «تَعَالَ» [أي يدعو بقرب المجيء]. وَمَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ. وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّاناً لأَنِّي أَشْهَدُ [أدين أو أؤيد] لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هَذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هَذَا يَزِيدُ اللهُ [الذي كلفني بهذا الإعلان] عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْذِفُ مِنْ أَقْوَالِ كِتَابِ هَذِهِ النُّبُوَّةِ يَحْذِفُ اللهُ نَصِيبَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الْمَكْتُوبِ فِي هَذَا الْكِتَابِ."» رؤ ٢٢/ ١٦-١٩

ولنتذكر معًا ما قيل في صدر الرؤيا: -

«إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ [له] اللهُ، لِيُرِيَ [الله من خلاله ويُعلِّم] عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ [وضحه] مُرْسِلاً بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا، الَّذِي شَهِدَ [آمن] بِكَلِمَةِ اللهِ وَ[صدق] بِشَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ [وسار على نهجه] بِكُلِّ مَا رَآهُ»

والمقصود منه بوضوح هو التالي:

(الإعلان الإلهي الذي أعطاه الله ليسوع المسيح، من أجل إعلام المؤمنين ما سيكون قريبًا. هذا الإعلان مصاغ كوحي في رؤيا بواسطة ملاك إلى يوحنا الرائي، الذي آمن بالله وصدق بالمسيح وسار على نهجه)

الخميس، 21 أبريل 2022

⟨حصر بالتصريحات اليسوعية المائعة، في إثبات الألوهية الضائعة⟩

 

الوحدانية واللا محدودية

من المعلوم عند المسلمين والمسيحيين واليهود على حدٍ سواء أن الله غير منظور وغير محدود. ولقد قال الله جل جلاله بتصريح قرآني متناهي الوضوح والتحديد والدقة في القرآن العظيم: «إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ» فشمل هذا التصريح إعلان عن الذات الإلهية، والإعلان بوحدانيتها، والتكليف الصادر منها، العام (العبادة) والخاص (الصلاة والذكر).

المحدودية بالتجسد

ولكن لما أراد الله تنفيذ خطة الخلاص للبشرية بتنازله ليتجسد، بأن يموت قتلًا وهو متجسد (بحسب الزعم المسيحي)، أفليس من المنطقي أن يعطينا تصريحًا جليًا لا شك فيه، ولا مواربة مثل ذاك الذي ذكره بوضوح وقوة «إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ»؟!

لماذا لا نجد ذلك في الإنجيل فيما يخص المسيح!؟ ألعله لا يوجد! أم أنه موجود وغير بيِّن؟! فبهذا كأنه لم يوجد أصلًا، فما من عقيدة صحيحة تُبنى على أوهام وتهيؤات.

التصريحات المائعة

فلماذا لا نجد في العهد الجديد إلا كلمات مائعة لا تُسمن ولا تُغني من جوع حول نسبة الألوهية ليسوع!؟

فهل كلمة «رب السبت» أو «أنا هو» تكفيان لجعل شخص ما مرئي ومادي، مهما عظم شأنه، وعلا عمله أن يكون إلهًا؟!

أليست كل مرحلة تتطلب تعريفًا جديدًا لمعطياتها، خاصة إذا حصل تغير جذري في المعطيات الأساسية؟! 

لقد كنا ننتظر تصريحًا أوضح وأجلى وأقوي من قول الله في ملكوته، وهو المحجوب بذاته عن الأنظار: «إِنَّنِیۤ أَنَا ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِی وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِیۤ» أو حتى يضاهيه؛ لكننا فوجئنا به متجسدًا يتحرج من نطق اسمه وصفته بوضوح وسط تلاميذه، ويخشى إعلان نفسه بجلال وقوه بين أعداءه!!

أإيمانٌ على الموائع؟!

فلِما الحرج وهو بين تلاميذه من إعلان اسمه وصفته؟! ولِما الخشية (التي عبر عنها بالصمت) وهو بين أعدائه! ما دام عالمًا أن نتيجة المخطط الخلاصي هو موته؟؟! ولا أحد سينال منه بشيء إلا إذا أتى وقته؟! فإذا كان هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، فلماذا يتكلم عن نفسه هنا بألغاز حمالة أوجه، ولا يُفهم منها أنه إلها إلا بتفسيرات متكلفة على كلماته!!؟

ولمّا هو تحرج وخاف من إعلان نفسه واسمه في الجسد، كيف يمكنكم مطالبتنا بالإيمان به بناء على: لا اسمٌ واضح، ولا وصف ناصع، ولا عمل مُعجز إلجائي (بحيث لا يُلجئ رائيه إلا إلى الاعتراف به إلهًا)؟؟؟ (لاحظ أن كل "معجزة" عملها يسوع لم تكن من النوع الإلجائي لجعله إلهًا، بل قيل على لسان الناس بعد أحدها، بل وأكبرها: «قَدْ قَامَ فِينَا نَبِيٌّ عَظِيمٌ وَافْتَقَدَ اللهُ شَعْبَهُ») كما أنه لم ينفرد بتلك المعجزات أصلًا، فكيف تحكمون!

تثبيت التصريحات المائعة

نعم يسوع رب السبت

إن كلمة «رَبُّ السَّبْتِ» لا تعني إلا المحافظ على السبت ومُعطيه حقه، [بدليل] أن الله في العهد القديم لم يُذكر ولم يُعرف بهذا الوصف ولا مرة مطلقًا… فهي لا تعني أبدًا أنه ذو سلطان على السبت، بل رب السبت أي مقيمه فحسب [بدليل] قوله: «السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ. إِذاً ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً» بمعنى، كما جعل الله السبت لرفعة الإنسان روحيًا، فأنا أرفع السبت أيضًا لمقامه الروحي، بعد أن جعلتموه جامدًا ماديًا. فلو كان ليسوع سلطان ألوهي على السبت بحيث يقدر أن يلغيه لقال (أنا إله السبت).

نعم هو ابن الله

كما أن كلمات «أَنَا هُوَ» في الأناجيل، لا تعبر بذاتها عن كينونة إلهية أبدًا، [بدليلين] أنها أولًا لم تكن في ولا مرة ردًا على سؤال (هل أنت الله؟)، بل كانت ردًا طبيعيًا على تساؤلات «أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟» فكان الرد اليسوعي «أَنَا هُوَ» أي أنا هو ابن الله، وقد بينا بوضوح صامت ماذا تعني هذه الكلمة في كل الكتاب المقدس[1] وثانيًا أنه خاف في مرات أخرى كادت تصل إلى درجة الإنكار، لأن يقر بها صراحةً، فاستعمل أسلوب الدرء، ليرد عن نفسه تهمًا تلاحقه، فقال في رده على نفس السؤال: «أَنْتَ قُلْتَ!» يعني لم أدعي أنا ذلك، إنما أنت الذي قلت.

يسوع معادلًا لله؟!

وحتى هذه الكلمة (الواضحة) لم تصدر من فم يسوع، إنما هي فهم قوم لا يفقهون، ثم استلمها المسيحيون كعقيدة... وتفصيلها هكذا:-

«وَلِهَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ عَمِلَ هَذَا فِي سَبْتٍ. فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: "أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ" هنا [انتهى كلام يسوع المسيح] وهنا [ابتدأ توضيح من الكاتب لسوء فهم اليهود، فقال:] فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ [بحسب فهمهم] بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ”. ثم قدم كلام يسوع الذي يوضح فيه موقفه قائلًا: "لاَ يَقْدِرُ الاِبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ» يعني أنه ينفي أمامهم معادلة نفسه بالله، وخضوعه لكل أوامره. ولكنهم (أي اليهود) هم الذين فهموا ذلك لأنهم كانوا يتصيدون له خطأ.

المقارنة البشرية والكينونة القبْلية

مساكين والله هم المسيحيين، ووالله إني لأشفق عليهم، شفقة الأخ الحزين، فإنهم يفتشون الكتب بحثًا عن تصريح واحد واضح يسد الرمق إثباتًا لألوهية شخص! ولا يجدون، فيغرقون الدنيا بكلمات عادية، اعتبروها هم تصريحات تثبت الألوهية، وها نحن نحصرها، ولعل آخرها قول يسوع: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ». فأولًا ألا يلاحظون أن مقارنة يسوع نفسه ببشر تنفي عنه صفة الألوهية؟! ثم مفاضلة نفسه عن بشر تنفي عنه الألوهية أكثر وأكثر، ومن ذا الذي قال أن الوجود الروحي لا يمكن أن يسبق الوجود المادي، بل هو سابقه، فوجود يسوع في عالم الروح سبق وجود إبراهيم في عالم الدنيا بعلم الله، فإن الله يعلم مصير الأمم، وقدّر لها الرحمة، تنالها حين تشرف على التهاوي. فحتى المؤمنين مختارين عند الله بالروح قبل وجودهم الجسماني، ألم يُقال «كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ» أفيكون المؤمنين بذلك آلهة!!

الآية «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» يو ١٦/ ١٤، ١٥

حول هذه الآية، فبالاطلاع على أكثر من نسخة، من نسخ الكتاب المقدس المترجمة، وجد أنها وقعت تحت كثير من تغيير علامات الترقيم، ما أدى إلى اختلاف القراءة فيها.

إذ وجدنا جملة "كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي" موجود معها في نفس سياقها كلمة "وَيُخْبِرُكُمْ" تسبقها، وبهذا يكون الشكل كالتالي ”ويبين لكم جميع ما للآب هو لي“ [هكذا وردت في إحدى الترجمات] فيكون المفهوم الواضح منها، تمامًا مثل ما يُفهم من الآية القرآنية ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ والحديث «مَن أطاعَنِي فقَدْ أطاعَ اللَّهَ، ومَن عَصانِي فقَدْ عَصى اللَّهَ»[2]

إذن فكما يقدم الإنجيل في هذه الآية، سيخبرنا الروح القدس بهذه التعاليم، الواردة من الله، بأن كل ما هو له عز وجل (أي ما يجب أن يُقدم له تعالى من جهتنا، من فروض الامتثال والطاعة، والحب، ينبغي أن يكون لمبعوثه أيضًا) [بدليلين] أولهما أن ما سبق وتكلم عنه المسيح في نفس الإصحاح كان سياق وعظي إرشادي تعاليمي، وليس سياق عقائدي ألوهي مطلقًا. والثاني، قوله أن هناك كثير من الأخبار ليقولها، ولكنهم لن يستطيعوا تحملها الآن. فإذا كان أقصى ما يمكن عدم استطاعة فهمه عند البشر هو طبيعة الإله، فكيف يكون قد قصد يسوع من قوله: «كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي» هو الإشارة إلى الطبيعة الألوهية وإرادة عبادتها!!!؟ وإلا فهذه لوحدها كفيلة لإثبات أن يسوع لم ينطق بكلمة فيها أمر بعبادته أبدًا طوال حياته.

هوامش



[2] تم الاستعانة بالآية القرآنية والحديث النبوي فقط للتوضيح، وليس للاستشهاد أو الاستدلال.