السبت، 24 أكتوبر 2026

سنن الدارقطني والآية التي أخرست الألسنة، في موكب الدعوة وميدان التصنيف ✸

 في عام ١٣٠٥هـ الموافق ١٨٨٨م، أعلن حضرة مرزا غلام أحمد القادياني أنه المسيح الموعود والإمام المهدي المنتظر، مستندًا في دعواه إلى الآيات القرآنية والإشارات النبوية الصحيحة. ولم يكن هذا الإعلان إلا ثمرة لجهاد طويل سبقه بسنوات، إذ كان صيته قد ذاع في الآفاق بكتابه الخالد «البراهين الأحمدية على حقية كتاب الله القرآن والنبوة المحمدية»، الذي تدرّج في الصدور بين عامي ١٨٨٠ و١٨٨٤م، حتى اعتبره كثير من أعلام المسلمين في الهند بطلَ الإسلام المُناضل. وقد صرَّح أحد أولئك الأعلام بالقول عن حضرته: «إنه رجل مثابر في خدمة الإسلام بالقلم واللسان، والحال والمال، وغير ذلك، حتى إنه من النادر أن تجد له مثيلًا بين المسلمين. ومن اعتبر قولنا هذا مبالغة، فعليه أن يقدّم لنا أسماء ثلاثة أو أربعة ممن قدّموا للإسلام خدمات مثل ما قدّم هذا الرجل، وعليه أن يعدّد لنا بضعة أشخاص اضطلعوا بأعباء خدمة الإسلام بالمال والنفس والقلم واللسان والحال أيضًا».

✸ التبكيت العلمي ✸

لكن الدنيا لم تلبث أن تنكص على عقبها، فما إن أعلن مرزا غلام أحمد بعد أربع سنوات من ذلك الثناء أنه هو المسيح الموعود والإمام المهدي المعهود، حتى انقلب عليه من مدحوه بالأمس أشد انقلاب، واستحال ثناؤهم إلى عداوة صارمة. بل إن عموم علماء المسلمين قد اجتمعوا على صدّ دعواه بشتى السبل، فاتجهوا إلى علامةٍ كونيةٍ واجبة الحدوث من أجل إثبات كذب هذا المُدّعي وفضحه، فإن لم تقع فهو كاذب حتمًا؛ ألا وهي آيتا الخسوف والكسوف في رمضان، وفقًا للحديث الوارد في سنن الدارقطني: «إنّ لمهديّنا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السماوات والأرض، يَنخسف القمر لأول ليلةٍ من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم تكونا منذ خلق الله السماوات والأرض». فأخذوا ينتهجون منهجًا في الإفحام العلمي في سبيل إثبات كذب حضرة مرزا غلام أحمد شرعًا، وتصدير ذلك للعوام.

فسارعوا إلى إصدار كتاب «سنن الدارقطني» الوارد فيه هذا الحديث الصحيح، وعكفوا على طباعته ونشره بعزم، مصممين على تكرار ذلك بشكل مكثّف وغير معتاد. فصدرت في دلهي سنة ١٣٠٦هـ الموافق ١٨٨٩م طبعةٌ عليها شرح بعنوان «التعليق المغني على سنن الدارقطني» لمحمد شمس الحق بن أمير العظيم آبادي. ثم طُبع ثانيةً في دلهي كذلك سنة ١٣٠٩هـ الموافق ١٨٩١م بنفس الشرح، مرفقًا به «البيان المكمّل في تحقيق الشاذ والمعلل» لحسين بن محسن الأنصاري. ثم طُبع ثالثةً أيضًا سنة ١٣١٠هـ الموافق ١٨٩٢م.

فكان ذلك المنهج المُحكم في إصدار هذا الكتاب صورةً من صور الضغط الواضح على حضرة مرزا غلام أحمد القادياني، والإلحاح على مُراجعته العلمية بكونه قد أعلن عام ١٣٠٥هـ أنه المسيح الموعود والمهدي المعهود، ومع ذلك لم تظهر الآية الواردة عنه في سنن الدارقطني -أعني الكسوف والخسوف في رمضان- فاستمروا فرحين في ممارسة طريقة الإفحام العلمي تلك.

✸ الكفّ عن الطباعة ✸

لكن أبى الله إلا أن يتمّ نوره ويُخزي المعاندين. فلما وقعت آيتا الخسوف والكسوف في رمضان سنة ١٣١١هـ الموافق ١٨٩٣م، وتكررتا على التوالي في العام التالي ١٣١٢هـ الموافق ١٨٩٤م في نصف الكرة الغربي، -مع وجود الشخص المنوط بوجوده تحقّقهما- كفّ هؤلاء العلماء الذين انبروا لإصدار «سنن الدارقطني»، كفّوا خاسئين عن إعادة طباعته على غير عادتهم وعزيمتهم المُلِحّة السالفة. بل وصل الأمر بمن خلفهم إلى حدّ لم يجرؤ معه أيُّ شخصٍ في العالم على طباعة هذا الكتاب مجددًا لفترةٍ جاوزت السبعين عامًا ونيفًا، وكأنهم تمنوا أن لو لم يكن كتاب «سنن الدارقطني» موجودًا في الوجود أصلًا. بل لعلهم أخفوا بقدر ما أمكنهم تلك النسخ التي انبروا على إصدارها وطباعتها حيثما وجدوها، فلذلك صارت في حكم المخطوطات اليوم لندرتها، بل لانعدامها أصلًا في الأسواق.

✸ الطبعات الأولى بعد الكفّ ✸

بعد تلك المدة الطويلة من صمت العلماء تمامًا عن إصدار «سنن الدارقطني»، شاء الله أن يُعاد إصداره وطباعته مرة أخرى بعد نيفٍ وسبعين سنة. فصدرت أولى الطبعات بعد ذلك في القاهرة سنة ١٣٨٦هـ الموافق ١٩٦٦م، وفي المدينة المنورة في العام نفسه، ولكنهما كانتا تحوي أخطاءً وتحريفاتٍ واضحة (بحسب المحدّثين المعاصرين). وقد صارت الطبعات الهندية سالفة الذكر -كما أسلفنا- في حكم المخطوطات لندرتها، بل لانعدامها في الأسواق.

✸ العِبرة والعِظة ✸

فانظروا كيف خسِأ من أراد أن يُفحم ويُحرج مبعوث الله، ومن أراد أن يحجب نور الله عن الناس! فقد دخل جماعةَ المسيح الموعود من بعد ظهور هذه الآية السماوية فوجٌ من أولئك الذين طَهُرت نفوسهم، ولم يخالط بحثَهم العناد. ثم بعد بضع سنين من هذه الآية التي أخبر الله ورسوله بأنها آيةٌ مخوفة، وقعت آية الطاعون التي حذّر منها حضرة المسيح الموعود أيضًا بناءً على ظهور آية الكسوف، فلما تحقق النبأ كما أُخبر، دخل في جماعته الناس أفواجًا امتثالًا وتصديقًا.

أما أولئك العلماء الذين طالبوا بظهور هذه الآية شرطًا للإيمان، فكأنما اشترطوا على الله أمرًا فنبذهم الله؛ فإن الله قد ذكر في كتبه جميعها أن طلب الآيات من المبعوثين لم يكن أبدًا عملًا مباركًا، بل إن كل من طلب آيةً هلك. إذ يكفي للتمييز بين الحق والباطل أن يكون في يد المرء بعضُ القرائن التي تُفيد التصديق، وأن تكون كفّة التصديق أرجح من كفّة التكذيب. فما ألحق الله ذكرَ الويل بالمصدقين، بل قال: {وَيْلٌ لِّلْمُكَذِّبِينَ}.

فانظروا كيف كان مصير أولئك الذين أصرّوا على طلب آية، وحدّدوا الآية، وعزموا على إثباتها، ما دامت لم تحدث، فلما حدثت جحدوا وكذّبوا! فأين هم اليوم؟ لا أحد يعلم. لقد طواهم الهلاك ونُسوا. ثم انظروا إلى حضرة المسيح الموعود وجماعته المصدّقين، لقد ازدادوا وازدهروا ونُصروا. {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}.

إن في ذلك لعبرةً لمن اعتبر، وذكرى لمن اتعظ. فسبحان من أظهر الحق بأعدائه قبل أوليائه، وسبحان من جعل تكالب الخصوم على الحق دليل صدقه، وامتناعهم عن ذكره بعد تحقق ما أنكروه برهان صدق ما كانوا به يكذبون. فالحمد لله الذي جعل للحق آيات في الأكوان لا يستطيع جاحدٌ أن يدفعهن، ولا مُكابرٌ أن ينكرهن. {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}، فسبحان الذي أخزى الأعادي، والحمد لله رب العالمين.

الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026

من أدلة صدق المسيح الموعود عليه السلام — مع إتاحة إمكانية الاعتراض عليها —

 في الموضوع التالي ذكر مقتضب وغير وافي حول دلائل صدق حضرة مرزا غلام أحمد القادياني المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام.

 ☀ أولًا  —  دليل الوقت  ☀

حيث ظهر في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وأعلن أنه مجدد ذلك القرن، ولم ينازعه أحد معه في هذا الإعلان.
وقد سبق وذكر النبي ﷺ بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها. فلما كانت هذه السُنة الإلهية مستمرة منذ المائة الأولى بعد رسول الله ﷺ ولم تنقطع، فكان ظهور مجدد على رأس المائة الرابعة عشر من مسلَّمات الدين، ولما لم يظهر سوى حضرة مرزا غلام أحمد في ذلك الوقت معلنًا كونه المجدد الموعود فأصبح ذلك دليل جلي على أنه هو هو.

❂ (في حال الاعتراض على هذا الدليل وجب على معترضه الإتيان باسم مجدد القرن الرابع عشر على أن يكون هو نفسه أعلن عن كونه مجددا، أو أن ينكر فكرة بعث الله لمجددين من الأساس).

☀   ثانيًا  —  دليل الآيات الكونية ☀

ورد في الأثر حديث متواتر المتن صحيح الإسناد يذكر: «إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السماوات والأرض، ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم تكونا منذ خلق الله السماوات والأرض»، وقد صدَّق الواقع هذا النبأ وحصلت هاتين الآيتين في سنتي ١٨٩٤، ١٨٩٥ على التوالي بعد ظهور وإعلان حضرته بخمس سنوات إيذانًا بوقوع العذاب على مكذبيه.

وللاستزادة في هذا الدليل يمكن مطالعة الموضوع التالي: ☚ تخريج حديث «إِنَّ لَمَهْدِيِّنَا آيَتَيْنِ» في سنن الدارقطني وشرحه

❂ (في حال الاعتراض على هذا الدليل بعد الإحاطة بكافة تفاصيله فعلى معترضه أن يقدم اعتراضا عقليًا على كيفية اتفاق حدوث الحدث مع وجود الشخص المُدعي ولا يكون هو المقصود).

☀   ثالثًا  —  أدلة آيات الوعيد   ☀

١ —  (آية الطاعون)

بعد وقوع آيتا الخسوف والكسوف المزدوج في رمضان بحسب الحديث، وقع العذاب الذي أنذر وحذر منه حضرة المسيح الموعود، وأشارت إليه آيتا الخسوف طبقًا للحديث عن رسول الله ﷺ «إن الشمس والقمر آيتان مخوفتان لا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فاستغفروا وصلوا»، حيث اجتاح  وباء الطاعون الهند، ووقتها أخبره الله أنه سينجيه هو ومن آمن به حق الإيمان وألهمه بالإلهام التالي: «إني أحافظ كل من في الدار»، يعني سيحفظه من وباء الطاعون الفتاك الذي كان يحصد أرواح الملايين في شبه القارة الهندية، وكذلك يحفظ كل من احتمى بداره المادية أي بيته، وداره الروحانية أي كل المؤمنين به في كل مكان. وقد تحقق ذلك فعلا، حتى سميت قريته قاديان منذ ذلك الوقت بدار الأمان لانعدام أو ندرة ضحاياها جدًا وقت وباء الطاعون المجتاح للهند وللعالم بالمقارنة مع بقية القرى والمدن المجاورة والتي بلغت في ضحاياها حد المئات والآلاف يوميا.

❂ (في حال الاعتراض على هذا الدليل وجب على المعترض الاتيان بإحصاء ضحايا لا يقل عن الألف في قرية قاديان وحدها من المؤمنين بحضرته خاصةً وأنهم كانوا يدفنون بمدافن مختلفة بعد تكفيرهم من القوم، وهو حد أدنى للضحايا آنذاك عموما، وعدد ١٠ آلاف من المؤمنين المخلصين لحضرته عمومًا، وهو كذلك رقم طبيعي وقليل جدًا بالنسية لعدد الضحايا العام).

٢ —  (آيات التباهل)

واجه حضرة مرزا غلام أحمد بعد إعلانه أنه الإمام المهدي والمسيح الموعود موجات عاتية وعارمة من المعارضة والعدوان، فكان يقابل اعتراض المعارضون الموضوعيون إلى حدٍ ما -إذ لم تخلُ موضوعيتهم في أكثر الأحيان من بذائة اللسان- فكان يواجههم بالحوار تارة وبالمناظرات تارة وبالتحديات تارة... أما الذين كان كل منهجهم لا يخرج عن سلوك العدوان مع بذائة اللسان، فكان بأمر من الله، يخبر كل معتدٍ سليط بأنه في حال استمراره على ما هو عليه من عدوان سافر وسلاطة لسان فإنهما لا بد أن يبتهلا إلى الله لكي يموت الكاذب في حياة الصادق، إنقاذًا للدين والناس من ضرره، مصداقا للآية القرآنية: «فَمَنۡ حَاۤجَّكَ فِیهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡا۟ نَدۡعُ أَبۡنَاۤءَنَا وَأَبۡنَاۤءَكُمۡ وَنِسَاۤءَنَا وَنِسَاۤءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَـٰذِبِینَ».

وقد حصلت بالفعل أكثر من مباهلة، بين حضرة مرزا غلام أحمد عليه السلام وبين عدد من المعارضين المعتدين، وكانت النتيجة واضحة حاسمة في كل مرة بحسب الشروط، إذ مات، في كل مرة، من واجه حضرته وكان مستمرًا ومصرًا على حاله وعدوانه دون ارتداع.

❂ (في حال الاعتراض على هذا الدليل فعليه مع اعتراضه أن ينفي كون الآية القرآنية تخص مثل هذه المواقف، ثم يفسر موت جميع الأطراف المعارضة لحضرته في كل مرة، حال التباهل، رغم كونهم في الغالب في سن الشباب وأصحاء في حين كان حضرته دائم المرض مع سنه الكبير نسبيًا).

 ☀  رابعًا  —  دليل السيرة والضرورة    ☀

١ —  (السيرة)

وفي رأيي الشخصي هذا هو أهم وأبسط دليل يمكن أن يلمسه الباحث عن الحق، وهو ما قدمه القرآن الكريم كدليل ناصع وسهل وبسيط، على العقل البشري أن يدركه، وهو قول الله تعالى توجيها لنبيه الأعظم محمد ﷺ: «فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِیكُمۡ عُمُرࣰا مِّن قَبۡلِهِۦۤۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ». فهذا عين ما حصل مع حضرة مرزا غلام أحمد القادياني، فالحاصل أنه كان معروفًا في الأوساط الإسلامية، قبل أن يصدع بدعوته بأمر الله، ببطل الإسلام، وقد وصفه أحد أعداءه الألداء فيما بعد كتابةً بهذا الوصف وقال عن حضرته: "أنه رجل مثابر في خدمة الإسلام، بالقلم واللسان، والحال والمال، وغير ذلك، حتى أنه من النادر أن تجد له مثيلًا بين المسلمين. ومن اعتبر قولنا هذا مبالغة.. عليه أن يقدم لنا أسماء ثلاثة أو أربعة ممن قدموا للإسلام خدمات مثل ما قدم هذا الرجل، وعليه أن يعدد لنا بضعة أشخاص بمثل هذه الصفات الذين اضطلعوا بأعباء خدمة الإسلام بالمال والنفس والقلم واللسان والحال أيضًا"

وفي هذا الموضوع تفصيل ذلك ☚ إنهم يُكذّبون الله

❂ (في حال الاعتراض على هذا الدليل فيلزم المعترض أولًا أن لا يعده دليلًا قرآنيًا أيضًا يصب في إثبات صدق نبينا محمد ﷺ).

٢ —  (الضرورة)

وهو أقوى دليل، والدليل الجامع على أي شخص ادعى أنه مبعوث من الله، فإن دليل صدق أي مبعوث سماوي ينقسم إلى ٣ أقسام رئيسية:-

● الأول: حالته الشخصية، (وقد ذكرناها في دليل السيرة)

● والثاني: حالة عصره، (أشرنا إليها في الرابط المرفق مع دليل السيرة)

● والثالث: حلول وقت تحقق النبأ الإلهي بخصوصه، (وقد تكلمنا عنه في الدليل الأول "دليل الوقت".

ولا تنفصل هذه الحالات الثلاثة عن بعضها أبدًا في حالة ظهور مبعوث سماوي من الله. إذ لا تكفي الحالة الشخصية الإيجابية وحدها في شخص صالح ما ليكون مبعوثا من الله، في حين أن الحالة العامة لا تحتاج إصلاحًا يستدعي أن يرسل الله شخص؛ أو أن وقت تحقق النبوءات بخصوصه لم يحن بعد.

كما لا يكون منطقيا شيوع الفساد مع حلول وقت تحقق النبوءات، ولا تكون هناك استجابة من الله بإرسال مصلح.. فهذا والعياذ بالله يشكك في وجود الله عز وجل، حاشاه سبحانه وتعالى، فالله لا يخلف الميعاد.

وهذا هو ما يسمى بدليل الضرورة؛ فالضرورة من ظهور الضرر وشيوعه، والضرورة من إلحاح الحاجة لتنفيذ الإصلاح، والضرورة من دخول الوقت وحتمية وقوع الحدث.

فإذا حصلت الضرورة (أي وقع الضرر، وتاق الناس للإصلاح، وحل ميعاد تحقق النبوءات) ثم ظهر من يدّعي أنه من الله مبعوثًا لإصلاح ما فسد، بحسب ما أخبر الله وما وعد، مع كونه صالح السيرة بشهادة أقرانه قبل ادعاءه، فهو صادق، وإن قيل عنه بعد ادعاءه خلاف ذلك.. إذ تكون كل الأقاويل ضده حينها أقوال لا يعول عليها، بل لا تعد هذه الأقوال شهادة أصلًا، إنما تكون محض عدوان من فاسد أو حاقد.

❂ (وفي حال الاعتراض على هذا الدليل فيلزم المعترض أولًا أن يقدم أدلته حول أن العصر آنذاك كان عصر رخاء للإسلام ولا يستدعي إرسال شخص، كما يلزم المعترض اعتبار وإثبات أن الموعد المحدد لظهور ذلك الشخص ليس هو الموعد).

 ☀ خامسًا  —  دليل الخلافة   ☀

أما هذا الدليل، بعد كل ما ذكرناه من أدلة، فهو فوق أنه دليل صدق للمسيح الموعود والإمام المهدي مرزا غلام أحمد عليه السلام، فهو كذلك دليل ظهور وازدهار لجماعته، إذ أن المسيح الموعود -عليه السلام- نفسه  الذي قال قبل وفاته بأنه "قدرة الله المتجسدة وسيأتي بعده أخرون يكونون مظاهر قدر الله الثانية". وبالفعل توفي حضرة المسيح الموعود سنة 1908م وبعد وفاته مباشرة بدأت سلسة الخلافة وهي مستمرة حتى اليوم بفضل من الله، ونحن اليوم في عهد خليفته الخامس أيده الله تعالى، وننشر دين الإسلام والسلام في الأرض.. فلو كان الأمر باطلًا لبُتر وقت وفاته وما ازدهر بهذا الشكل.

وأدلة الخلافة في الحديث النبوي كثيرة، فقد أخرج البخاري في تاريخه قول رسول الله ﷺ: «ما من نبوة إلا وتبعتها خلافة»، في إشارة واضحة وصريحة إلى أن الخلافة الصحيحة والصادقة لا بد وأن يسبقها نبوة، وإلا فهي ليست من الله.

ولما كان الحُكم الشرعي لمنصب الخلافة في الإسلام هو فرض كفاية فدل ذلك على أن الخلافة يجب أن تكون موجودة في كل الأحوال وأن تكون بإذن من الله حصرًا وليست بتدابير بشرية، لأنه من المحال أن يأمرنا الله بفرض ثم يُعجزنا عن إقامته. إذ أن الغالبية الساحقة من المسلمين اليوم -لعجزهم عن إقامتها بأيديهم- يظنون أن الخلافة منعدمة من الأمة الآن، بدون وعي منهم بأن هذا الادعاء يجعل الأمة كلها آثمة.

ولذا فقد قامت الخلافة الإسلامية الأحمدية بحول من الله وقدرته في نفس السنة التي سقطت فيها الخلافة العثمانية. وبذلك فقد تحقق النبأ النبوي في الحديث عن النبي ﷺ: «تكون النبوة ما شاء الله فيكم أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون مُلكًا عاضًا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة، ثم سكت» ومصداقًا لهذا الحديث، فلقد كانت الخلافة الأولى على منهاج النبوة وهي تلك الخلافة الراشدة، ثم تبعها المُلك العاض (يعني الوراثي)، ممثلا في الدولة الأموية والدولة العباسية، ثم تبعهم الملك الجبري (يعني الذي يستولي عليها بالجبر)، أي الدولة العثمانية، ثم لما سقطت الدولة العثمانية وانتهى منصب الخلافة فيها، أقام الله خلافة أخيرة -كما ورد في الحديث- على منهاج نبوة، وكانت هذه النبوة هي نبوة حضرة مرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام، الإمام المهدي والمسيح الموعود، لتكون أساسًا لخلافة آخر الزمان.

وللاستزادة في مسألة الخلافة يمكن الاطلاع على هذا الموضوع: ☚  إثم الخلافة

❂ (في حال الاعتراض على هذا الدليل يلزم المعترض إما أن ينكر منصب الخلافة، أو أن ينكر حُكمهُ الشرعي بأنه فرض كفاية، وبناء عليه ينفي مجموعة كبيرة من الأحاديث النبوية المذكورة ومن أهمها حديث "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية").