عزيزي القارئ الكريم، قف معي لحظةً في هذه السطور، فإن ما أطرحه عليك ليس مجرد كلام يقرأ وينسى، بل هو حق أصيل ينبض في أعماق وجدان كل مسلم، عربيا كان أو غير عربي. إن حب العرب ليس هوى عابرًا، ولا تعصبًا أعمى، بل هو من الإيمان ذاته، وبغضهم نفاق يناقض جوهر العقيدة. هكذا قال النبي الأمين محمد ﷺ، النبي العربي المبعوث من أم القرى إلى الأمم كافة، حين أعلن بوضوح لا لبس فيه:
«من أحب العرب فقد أحبني، ومن أبغض العرب فقد أبغضني»
في هذا الحديث الشريف يرتفع حب العرب من مجرد مودة عرقية إلى مرتبة الإيمان، ويصبح البغض لهم علامةً من علامات النفاق، لا لأنهم قومية دون سائر القوميات، بل لأنهم حاملو رسالة النبي الأعظم، وحفظة لسان القرآن الكريم الذي اختاره الله تعالى ليكون لغة النبي الخاتم.
وهذا الأمر لا يقتصر على المسلمين وحدهم، بل يتعداهم إلى غيرهم من أهل الديانات والأعراق المختلفة، وقد كان لهم السبق في تلقي تلك التوصية الإلهية بحب العرب. وسنكشف في الأسطر التالية عن أبعاد هذا الحب الذي يربط بين أبناء إبراهيم جميعًا، ويمتد عبر التاريخ ليشمل كل من آمن بالوحدة الإنسانية ونبذ التعصب.
● حب ما للمحبوب
لكن هذا الحب الطبيعي مشروط بشرط جوهري: أن يكون مبنيًا على التقوى، أي اتقاء البغض والعنصرية والتعالي على الآخرين. فلا يجتمع في قلبٍ سوي حبٌ وكراهية متوازنان نحو الناس إلا إذا كان هذا القلب مصابًا بشرخ عميق يفقده التوازن. لذلك كان الحب للجميع هو القاعدة، ولا كراهية إلا للأفعال التي تنافي المحبة والوئام بين بني الإنسان، كالتعصب والاحتقار والانقسام العنصري. وهذا بالضبط ما حث عليه نبينا الكريم ﷺ حين قال في ذم العنصرية وتركها لأبد الدهر:
«دعوها فإنها منتنة»
(حديث شريف في ذم العصبية الجاهلية)
فالعنصرية منتنة لا في ريحها فحسب، بل
في أثرها على النفوس والمجتمعات، تفسد القلوب قبل أن تفسد العلاقات، وتحرق أواصر
المحبة قبل أن تهدم الجسور بين الشعوب.
● حب العرب ليس عنصرية
وإياك أن تظن أن هذا الكلام عن حب العرب هو ذريعة لنبذ غيرهم، أو دعوة لوضعهم في مرتبة أدنى، كلا والله! إن الأمر على العكس تمامًا، فهو دعوة محضة إلى التسامي فوق كل ما يُفرق بين بني آدم. وكما قال ربنا عز وجل في محكم كتابه:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
(سورة الحجرات، الآية ١٣)
تأمل في هذه الآية الجليلة، إنها تخاطب الناس كافة لا فئة دون فئة، وتجعل غاية الاختلاف في الأجناس والقبائل هو التعارف لا التناكر، والتقارب لا التباعد. فمن حيث النوع ذكورًا وإناثًا، ومن حيث العرق شعوبًا، ومن حيث الأنساب قبائلا، كلهم مدعوون إلى بوتقة واحدة هي بوتقة الإنسانية السامية.
ثم إن من معاني الحب الحقيقي أنه لا ينفي الآخر أبدًا. فإذا أحب الإنسان شخصًا فلا يفهم من هذا الحب بحال من الأحوال أنه يكره سواه أو يحتقرهم. إنما يصل إلى هذا الفهم الخاطئ من كان خبيث النفس، سيء الطوية، حقود بالفطرة، فلا يجتمع الحب الصادق مع الكراهية إلا عند من يدعي الحب كذبا ورياء، وأما القلب السليم فسعة تتسع للجميع.
فليت الذين يبغضون العرب تعصباً لدين أو لقومية أو لعرق، يفطنوا إلى هذا الفرق الجوهري بين دعوتين مختلفتين تماما: دعوة الحب والتآلف والتعارف التي جاء بها الأنبياء جميعا، ودعوة التعالي والعنصرية والبغض التي هي مقاصد الشيطان ويزرعها أعداء الإنسانية في النفوس الضعيفة.
● وماذا عن غير المسلمين؟
إذا كنا قد تحدثنا عن الحب ونبذ العنصرية في سياق الإسلام، فإن الدعوة عامة لا تختص بأحد دون أحد. فالنبي العربي محمد ﷺ مبعوث للعالمين أجمعين، ورسالته ليست حكرًا على قوم دون قوم. وإن كان بعض غير المسلمين لا يوافقونه في منهجه أو شخصيته، فإن هذا الاختلاف مهما بلغت حدته ليس ذريعة أبدا لنشأة الكراهية في القلب.
تأمل في هذا المثل البليغ: المسيحية وهي من أعظم الديانات في تاريخ البشرية، تنص صراحةً على أن «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ». فإذا كان العدو نفسه مدعوا إلى الحب والقبول، فكيف بالنبي الذي لم يكن عدوا لأحد قط، بل كان رحمة للعالمين؟ إن الحب أسمى من أن تدنسه خلافات الرأي، وأرفع من أن تهزه اختلافات المنهج. وكما يقول المثل العربي الشهير: «الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، أي أن الود يبقى راسخًا رغم كل خلاف، والحب يظل في القمة في منأى عن موجات النزاعات وتجاذبات الأهواء، ما دام القلب نقيًا والنية صافية.
● الوصية التاريخية لحب العرب
وهنا يبرز سؤال عميق: كيف يكون حب العرب من الإيمان في الديانات الإبراهيمية الأخرى؟ والجواب يكمن في قصة عريقة ضاربة في أعماق التاريخ، قصة النبي الأب إبراهيم عليه السلام وولديه إسماعيل وإسحَق. حين أنجب إبراهيم ولده الأول إسماعيل من زوجه هاجر، مرت سنوات طويلة حتى أنجبت سارة ولدها إسحاق. فتقدم إبراهيم بولده الأكبر إسماعيل أمام الله عسى أن يكون له العهد من بعده، لكن الله قال له: «قَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ»، غير أن بداية العهد ستكون بإسحاق. فامتثل إبراهيم لأمر ربه طاعةً وتسليما.
ثم أُمر إبراهيم بإبعاد هاجر وابنها إسماعيل إلى أرض الحجاز، فكتب الله على إسماعيل وأمه الإبعاد، فنالا من الإنكار والاغتيال المعنوي ما نالا عند اللاحقين من الناس. لكن إبراهيم، عليه سلام الله، وهو النبي الكريم لم يكن ليَكْرَه ابنه الأول بحال، ولا كان يُنشئ ابنه الثاني إسحَق على كراهية أخيه الأكبر. إنما كان الإبعاد قدرا مقدورا، وبقاء الحب بينهم أمرًا مفروغًا منه.
فتلك هي وصية الحب التي أوصى بها إبراهيم بنيه من إسحَق نحو إسماعيل كي لا يتعالى، كونه الأسبق في النسب والعهد، ومن إسماعيل نحو إسحاق كي لا يحقد كونه المُبعد إلى حين. وكان مكان إقامة إسماعيل وأمه في بلاد الحجاز التي برز فيها العرب وأصبح إسماعيل جدهم الأكبر. لذا فإن حب أحفاد إسماعيل أي العرب واجب ديني وأخلاقي من أحفاد إسحَق، والعكس صحيح بالطبع. غير أن التركيز على ضرورة وجود الحب لدى أحفاد إسحاق تجاه أحفاد إسماعيل يأتي للسبب المذكور، وهو تأخير إسماعيل في ولاية العهد النبوي بحسب العقيدة اليهودية والمسيحية، فلكيلا يظن أولئك الأقوام أن إسماعيل منبوذ إلهيا، فرض عليهم الحب تجاهه وتجاه حفدته من بعده.
● لا تعترضوا على الحب
وقد يرفض جل المسيحيين هذا الكلام تعصبَا غير مؤسس إلا على هوى مُضل. لكن العجيب أنهم يقبلون "إنسانيا" بل و"عقائديا" بلا غضاضة أنسالا ناشئة عن علاقات غير طاهرة، كنسل الموآبيين مثلًا، بينما يرفضون نسلا أصيلًا ناتجًا عن زواج طاهر شرعي، وهو نسل إسماعيل عليه السلام الذي له حق الأخوة الكامل. وهنا يبرز التساؤل المشروع: أيرفض أبناء الأصالة والشرعية ويُقبل بدلًا عنهم أغراب غير شرعيين وفوق ذلك يوسمون بالقبول والحب؟ أفلا يستحق ذلك الأخ الشرعي ونسله القبول بحب وإنسانية كغيره، بل ويكونون هم الأحق بالاعتراف والمودة؟
إن هذا التناقض لهو عين العجب، وإن الحق واضح وضوح الشمس في كبد السماء: أن حب الأخ لأخيه من الإيمان. وعلى هذا يجب أن يكون أهل الأديان جميعًا، أتباع أولئك الإخوة الذين يجمعهم أب واحد هو خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام. لأن خلاف ذلك هو الشذوذ الأيديولوجي، والسقم الأخلاقي، والانحراف عن مسار الإيمان والإنسانية معًا.
وليعلموا أن هذا الموقف التاريخي الذي تم تشويهه بالاغتيال المعنوي للأخ الأكبر وإنكاره وإنكار نسله من بعده، لهو موقف غريب نشأ على غير رغبة الآباء الصالحين والأنبياء الأولين. وهو الموقف الشاذ الذي تنشأ عليه الآن كل حملات العنصرية والرفض والكراهية نحو العرب منذ القدم والمتجددة دائمًا.
فانتبهوا يا إخوتي ولا تنجرفوا لتيارات العنصرية والكراهية، بل ابغضوا الكراهية، واكرهوا العنصرية، وارفضوا النبذ والازدراء، وتمسكوا بأهداب الحب لعلكم تفلحون.
فإن حب الأخ لأخيه من الإيمان، فلا تكُن ممن يحملون العنصرية في قلوبهم ويزعمون أنهم من أهل الإيمان، بل تمسكوا بأهداب الحب لعلكم تفلحون..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق