الاثنين، 20 يونيو 2016

دلائل وفاة المسيح الناصري من القرآن الكريم [10─10] (نهي الله عن الغلو في ديننا)



يقول الله تعالى في كتابه العزيز:
وهناك آية قريبة الشبه لهذه الآية وردت في سورة النساء الآية 172 وبيانها أنها دعوة إلى أهل الكتاب جميعهم وتنبيه لهم بأن الله سبحانه لا يمكن أن يكون بالشكل الدنيوي الذي تصورتموه له سبحانه، وأن المسيح ما هو إلا بشر طبيعي من بشر طبيعي وهو رسول مقدس، فكل ما أضفيتموه عليه مبالغة في الإطراء هو لا يرضي الله تعالى...
أما آيتنا التي بين أيدينا الآن ففيها مشابهة لتك التي مرت وتكلمنا فيها تفصيلًا في الحلقة [6─10] وقد عنونّا تلك الحلقة بعنوان (نهي الله عن المبالغة في أمره عليه السلام) غير أن آية حلقة اليوم ففيها إجمال موضوعي أكبر، نستخلص منه ما هو خاص بخصوص أمر المسيح عيسى ابن مريم ورأي المسلمين في أمره!

فقول الله تعالى: «قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم» فإذا كان هذا الكلام يُقصد به المسيحيين فهو جزء من قوله السابق: "أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعا وهو السميع العليم؟" والجواب تقديري محذوف هو قول النصارى بأنه عليه السلام ابن حقيقي لله وشريك له في الملك ويُعبد... على الرغم من أن إنجيلهم لا يقول بأي من ذلك الكلام أبدًا*. فيرُد الله عليهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى لسان كل مؤمن قائلًا: «قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم» فلا تتبعوا أسلوب المغالاة في الدين، إذ أن الدين في حد ذاته نقيًا، وحتى المكتوب فيه إلى أوان نزول تلك الآية بل وإلى الآن! غير أن الغلو فيه ألغىَ ومحى المكتوب وصُيرت أقوال علماءهم ترنو على ما هو مكتوب في كتبهم، فرأوا معانٍ مغايرة للمقصود فوصلوا لغايات مخالفة للهدف المعهود. وبيان ذلك الغلو أنهم اتبعوا غير الحق، والحق هو إحكام الشيء وصحته، فلما تخلوا عن إحكام الألفاظ وإسنادها إلى صحتها وقعوا في غلوهم فيما تصوروا، فاتبعوا ما قد قيل باطلًا من قبل، فضلوا به وأشاعوه فأضلوا كثيرين.

ولا يغيبن هنا أيضًا أن المقصود بأهل الكتاب في هذه الآية بادئ ذي بدء هم المسلمون، فأنهم أهل الكتاب الأعلى والمهيمن ، فهم الذي جاءهم كتاب من الله فيه برهان وتبيان لكل ما استغلق فهمه على من قبلهم من أهل الكتب السابقين.
وما يجعلنا نقول أن هذه الآية تخص أيضًا أمة النبي محمد هو التخصيص المذكور فيها بقوله تعالى «ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل» إذ نعلم جميعًا أن مناط ضلال من كانوا قبل هو الإفراط والغلو في أمر أنبيائهم حتى ألهوهم أو نسبوا في حق الله من أجلهم ما لا يليق «وقالوا اتخذ الله ولدًا» [البقرة] وهذا يعني أن قوله تعالى «وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل» يُقصد به أن عقيدة الغلو هذه قد صدّروها وأشاعوا بها وروجوها حتى أضلوا بها الكثير، وكان الذين اتبعوهم في هذه العقيدة ─بطريق الغلو─ هم أمة الإسلام، ولكن سيقول قائل: "مَن مِن أمة الإسلام الموحدة بالله تعالى يقول بأن لله سبحانه وتعالى ولد؟‼" والرد على هذا القول تشير إليه الآية «ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا» إذ نجد أنها لا تحدد ماهية هذا الغلو، ولكنها تشير إلى الهوى الذي اتبعوه وأوقعهم في الغلو، ومنه صرّح بأن المسلمون سيتبعون هذا الهوى ولكن بطريق يوقعهم في غلو يعزز من عقيدة الذين قالوا: «اتخذ الله ولدًا» [الكهف].

 وقد أشار حضرة سيدنا أحمد المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام إلى ذلك في كتابه العظيم (مرآة كمالات الإسلام) وقال:
  

 بمعنى، إن الذين قادهم هواهم وأوقعهم في المغالاة في شأن نبيهم فقالوا إن المسيح ابن مريم هو ولد الله.. وهو بذلك يكون إلهًا، فاقتضى ذلك منهم إحياءه إلى الأبد بجوار الله في السماوات. وتبعهم في ذلك الهوى المسلمون، فقالوا كما يقولون بحياة المسيح منذ زمن كبير جدًا وحتى الآن! فوقعوا في جزء من الغلو الذي غالاه الذين قالوا «اتخذ الله ولدًا» وإن لم يقولوا مثل قولهم إلا أنهم غالوا مغالاتهم، وقد نهاهم الله عن ذلك، فما انتهوا إلا من رُحم.
إذًا فالاتباع هنا هو تبعية الغلو في الدين عمومًا، وليس في ماهية وشكل ذلك الغلو خصوصًا. فكل ما هو غير طبيعي أو غير منطقي أو غير معقول هو مرفوض في شأن العقيدة والدين، وإن الإشارة على كون اعتقاد ما عند المسلمين هو من قبيل الغلو في الدين من عدمه يكون في المماثلة التي يمكن أن تحصل في شأن العقيدة الإسلامية مع معتقدات سابقة «بل قالوا مثل ما قال الأولون» [المؤمنون] (وهذا لا يعني خطأ كل المشابهات القصصية فشأن العقائد يختلف عن أحداث الأمور القصصية) وعلى العكس من ذلك؛ فالتيقن من صحة المعتقد الإسلامي يكون بطريقة «فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا» [البقرة] ولا يكون الإيمان بمثل ما آمنا إلا إذا كان ما آمنا به ─من جهة العقيدة─ خلاف ما يؤمن به الأولون.

بمعنى، أن المسلمين التقليديين هم الذي يقولون مثلما قال المسيحيون في شأن المسيح (بأنه حي في السماء)! لأن المسيحيين هم السبّاقين في ذلك القول وليس العكس. فواجبنا كمؤمنين أن لا نغلو في ديننا ونُقر بموت المسيح ابن مريم كما يموت البشر طبيعيًا، ويكون على الأولين الإيمان بما نؤمن ليهتدوا..
أما المسلمين الأحمديين فهم الذين قد أنعم الله عليهم بفضله وبرحمته أن آمنوا بمبعوث الله لما سمعوه مناديًا للإيمان، وقد كشف الله عليه حقائق غابت عن الأمة طويلًا جراء عديد من الأحداث والتشويشات التي أدت إلى اختلاق ما لا يُقبل في أمر العقيدة والدين. وعلى أساس هذا الإيمان بمبعوث السماء المسيح الموعود والمهدي المعهود الذي بشر بمقدمهِ خاتم الانبياء والمرسلين محمد المصطفى آمنّا وأقررنا بموت المسيح ابن مريم ذلك الرسول الإسرائيلي المكرم، وأن النازل آخر الزمان هو المسيح المهدي من أمة خاتم النبيين لكل العالمين.
 :.
* لم يرد الإنجيل أي كلام أو إشارة تدل على تأليه أو طلب عبادة المسيح ابن مريم، حتى في رسائل القديس بولس الذي يُعزا إليه إدخال عقائد مختلفة عما جاء به المسيح الناصري عليه السلام.

الجمعة، 17 يونيو 2016

دلائل وفاة المسيح الناصري من القرآن الكريم [9─10] (نفاذ أمر الله)



إن من أهم الآيات التي تلتبس على الناس ─لقلة وعيهم باللغة وبعدهم عنها والبحث فيها─ تلك الآية التي بين أيدينا الآن، إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز:


 إذ يعتبرون كون كلمة «إن أراد» أنها إخبار بما سيكون غير أنه لم يقع بعد، فبنوا على ذلك الفهم المغلوط أن المسيح عيسى ─عليه السلام─ لم يمت بعد، وأن الله مُبقي عليه لزمان ما! وهذا خطأ، والصواب هو أن كلمة [أراد] هي فعل ماض، وتعني قدّرَ وفعل. ومضارعه [يريد] والمصدر [إرادة].
سيقول قائل أن جملة: «إن أراد أن يُهلك» تعبر عن أن الإرادة الإلهية واقعة لا محالة ولهذا استعمل «أراد» وهي فعل ماض، ولكن ولأن الفعل لم يقع في الدنيا بعد فقد استُعمل المضارع «يُهلك». وهذا اعتراض معقول في الظاهر إلا أنه في الواقع خطأ!

ورده في ثلاثة نقاط وهي:▬

أولًا/ أن كلمة (هلك) تدل على كسر وسقوط ومنه الهلاك أي السقوط [مقاييس اللغة]. والمعنى يكون أنه بما أن الذين ألّهوا المسيح وأمه قد اعتبروا ذلك هو الاعتقاد الحق، فإن الله قادر على كسر هذا الاعتقاد وإسقاط هذا الادعاء. ققال تعالى «يُهلك» بصيغة المضارع لأنه سبحانه لا يجبر أحد على اعتقاد معين، بل على كل الناس أن يختاروا الحق مختارين، لا مجبرين ولا مرغمين، غير أن الحق هو الغالب حتمًا في النهاية، وهذا سبب استعمال كلمة «أراد» بصيغة الماضي مع كلمة «يُهلك» المضارِعة، فالإرادة الإلهية واقعة حتمًا، غير أنها ليست جبرًا ولا قسرًا على أي من البشر، إنما الهداية تكون لمن يشاءها، وعمومًا فالحق هو المنتصر حتمًا.

ثانيًا/ لا يغيب عنا أن ذكر أم المسيح معه في نفس الآية يرمي بظلاله على الفهم المغلوط عند عامة المسلمين. فهل ستعود أم المسيح الناصري معه في آخر الزمان ثم تموت، وهل هي لم تمت أصلًا؟ بالطبع ماتت ولن تعود. لذا، فهذا يؤكد ما أشرنا إليه سلفًا بأن المراد بقوله تعالى: «يُهلك» بصيغة المضارع أي يكسر هذه العقيدة الفاسدة ويسقطها (يسقط عقيدة ألوهية المسيح أمه) من كل اعتبارات الحق.

ثالثًا/ يجب أن ننتبه كذلك لزمن تحقق هذه الآية عند المدعين برجوع المسيح الناصري بشخصه. فإذا كان المسيح الناصري بنفسه هو العائد ليموت هو وأمه في آخر الزمان، فهل لمّا يموتا في النهاية ستظل هذه الآية كما هي بصيغتها المضارعة في قوله «يُهلك» أم ستنتهي فعاليتها بالموت النهائي المزعوم لعيسى ابن مريم؟ حاشا لله أن تُلغى آية، إنما هي كما أشرنا قبلًا، هي فعالة حتى نهاية الدنيا، لأن الشر باق حتى يوم القيامة وأن العقائد الباطلة ستجد من المعاندين من يعتنقونها وإن صارت أواصرهم مشتتة.


فالحق أن هذه الآية صالحة لكل زمان كما جميع آي القرآن، غير أن الفهم القاصر لمعناها جعل للأغيار علينا سبيلًا من خلاله، وأن الحق فيها أن الله يقول من يملك منكم من الله شيئًا إذ قد قدّر سلفًا كسر عقيدة ألوهية المسيح وأمه، فقد مات المسيح وأمه ككل البشر، وحصل ذلك سلفًا كما يجري ذلك عليكم أيضًا أجمعين، فلا أي صحة لاعتقاد تأليههما. وهو تعالى كما أمات وأحيا وخلق.. لهو قادر على ما هو أهون من ذلك، أي محو كل ادعاءٍ كاذب وكسر أي اعتقاد باطل وإسقاط فكرهِ، غير أن ذلك يجب أن يكون بالحكمة. فالفكرة بالفكرة تُزال ويتم ذلك بواسطة عباد الله المؤمنين.

ويجدر بنا أن نذكر من الأدلة ما يقضي على من يعتقد أن قوله تعالى «فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه» يُقصد به حصرًا هو إماتتهم فيما بعد.. إذ لا يغيب عن البال في هذا المقام أن الديانة المسيحية مبنية أساسًا على عقيدة الفداء والكفارة التي تقول بتضحية الله سبحانه بابنه في سبيل خلاص البشر! فقول الله: «فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه» إذا أُخذ بمعنى الإماتة المستقبلية في آخر الزمان صار تسليمًا بعقيدة الفداء والكفارة، فعنده تفهم هذه الآية هكذا: (فمَن مِن الناس يملك أو له الحق الاعتراض في أن يميت الله ابنه؟ إنّ الله على كل شيء قدير فلا دخل لكم)!
فمن أراد أن يعتقد بهذا الاعتقاد فعليه التمسك بالتفسير التقليدي الخاطئ والقائل بحياة المسيح ابن مريم وأنه سيموت فيما بعد بأمر الله.  
فلِمَ لا يقول أولئك الناس مثلا أن المسيح مات كما يموت البشر وأن الله سيبعثه في الزمان الأخير مرة أخرى ثم يميته؟ لماذا يصرون على حياته العجيبة، ويدخلون انفسهم في نطاقات القيل والقال؟‼

لذا فالصواب فيها هو كسر هذه العقيدة الباطلة وإسقاط بنيانها كما أسلفنا. وهذا الكسر يقتضي موت المسيح عيسى ابن مريم موتًا طبيعياً في زمانه كما يموت كافة البشر إذا انقضت أعمارهم، كما يقتضي إماتة العقيدة الكفرية الناجمة عن فكرة بقاءه ─عليه السلام─ حيًا لفترة خرقت كل التصورات المنطقية، وهذه الإماتة تكون بواسطة عقيدة نقية مضادة تُطهر ما قد لحق به الدنس.

الخلاصة: قول الله تعالى: «فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه» يحمل معنى مزدوجًا ومتداخلًا، فهو أولًا يعني كسر تلك العقيدة الكفرية المؤلهة للمسيح وأمه، من خلال إثبات موتهما الفعلي بعد انقضاء عمرهما. وهو ثانيًا يعني استمرار إفشال وإسقاط هذا الادعاء الكفري من خلال بث العقيدة النقية الطاهرة والمُطَهِرة.
* 
أي أن الذين قالوا بألوهية المسيح ابن مريم إنما هم في ضلال، فمن منكم له المقدرة على مناوءة قدرة الله في كسر هذا الاعتقاد بألوهية المسيح وأمه ─فمبدئيًا لقد مات كليهما منذ زمن كما يموت من في الأرض جميعًا؛ وهناك دلالة أخرى واضحة في كلام الله سبحانه إذ يقول: «ومن في الأرض جميعًا» فلم يقل سبحانه (ومن في السماوات والأرض) وفي ذلك دلالة واضحة على كون عيسى وأمه في الأرض لا في السماء كما يعتقد النصارى وكما يعتقد عامة المسلمين*. ثم يقول وأن الله هو الملك والكل سواه مخلوق وعبد، وهو قادر تهيئة كافة الظروف من أجل إسقاط كل ما لا يرضيه بأمره وبحكمته.
▬▬▬
* هذه إضافة من الصديق أسامة محمد
 
:.

السبت، 4 يونيو 2016

دلائل وفاة المسيح الناصري من القرآن الكريم [8─10] (وقف دعوته على قومه، وبشارته بآتٍ وتحققها)



على الرغم من أن الله سبحانه وهب لنا العقل والعلم وأخبرنا مع ذلك أن قدرته تعالى لا يمكن أن تناقض حكمته سبحانه، إلا أن ذلك لم يمنع الكثيرين من اختلاق مسألة حياة عيسى الإعجازية والخارقة لحكمة الله، تحت مسمى حق يراد به باطل وهو أن الله قادر على كل شيء!
لذلك فنحن نأخذ على عاتقنا واجب تنبيه الغافلين ─وقد كنا منهم─ بأن ما المسيح عيسى ابن مريم إلا بشرًا رسولًا خلا كما خلت الرسل من قبله ومن بعده وجاء عليه الموت فقضى نحبه بعد أن استنفذ أجله بسلام عليه السلام.

والآن ندخل في إطار آية موضوع حلقتنا الجديدة في الإثباتات القرآنية حول موته عليه السلام.

يقول الله:

 وفي هذه الآية كثير من العلامات والدلالات المثبتة لموته عليه السلام
 
أولا/ قول الله تعالى على لسان نبيه المسيح عيسى ابن مريم: «يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم» فهو عليه السلام في هذا القول يخاطب بني إسرائيل، قومه، المبعوث فيهم خاصة، ويتضح ذلك في قوله «يا بني إسرائيل... إني... إليكم» وليس خفيًا على المعترضين على  أمر موت عيسى ابن مريم أنه من ضمن قولهم بحياته القديمة أنه حين ينزل سيكون للعالمين كافة‼ وبالتالي سيُقضى على مثل هذه الآية، فلن يكون عيسى (الناصري) لبني إسرائيل فحسب حينئذ، وإلا فشل انتظارهم وذهب هباء! بل الأهون عندهم أن يكون هو بنفسه ويُقضى على آية قرآنية بكل بساطة‼

وثانيًا/ قوله: «ومصدقًا لما بين يدي من التوراة» وهو قول لو تعلمون عظيم، فإذا كان المُصرّين على عودة المسيح الناصري بشحمه ولحمه في آخر الزمان على ذلك، فإنهم بذلك لا يفتحون فقط باب القضاء على آية قرآنية واحدة ─هي التي بين أيدينا الآن─ بل إن هذه الجزئية من هذه الآية فقط، في حال إصرارهم على اعتقادهم بحياة وعودة المسيح الناصري، لهي قاضية على القرآن العظيم ككل، وعلى شريعة محمد المصطفى الخاتمة لكل الشرائع والمهيمنة عليها، فلو كان قيل (ومصدقًا لما بين يدي من الكتب) كإشارة لما يأت من كتب بعد التوراة ومن ضمنها القرآن، لكان الوضع أهون، ولكن بتصديقه على التوراة فحسب فهو ينسخ بذلك كل ما بعدها من كتب وشرائع، فهو حتى في ظل هذه الآية لا ينظر إلى القرآن بطرف عين. لذا فقوله تعالى هذا الكلام لهو وقف على التوراة فقط بواسطة الإنجيل ولا يتعدى لأبعد من ذلك بشيء. فبذلك تكون العودة ملغية، وبالتالي تكون الحياة القديمة منفية لانتفاء سببها.

ثالثًا/ والآن نأتِ على المحور الأبرز لهذه الآية، وبالنسبة لمن لم يقنع بما سبق، رغم أن ما سنقوله الآن ما كان ليكون لولا ما سبق. فقوله تعالى: «ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد» لهو بالغ حد الكفاية وواصل لمدى النهاية فيما نريد قوله في موضوعنا هذا.
لقد ذكر حضرة مرزا غلام أحمد المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام حول هذا الجزء من الآية ما يلي:


ففي هذه الجزئية من هذه الآية وحدها عدد من النكات اللطيفة والعميقة والتي بينها لنا حضرة المسيح الموعود مرزا غلام أحمد القادياني عليه السلام، فالقول «ومبشرًا... من بعدي» لوحدها لدليل كاف على موته عليه السلام، وكأنه يقول لقومه لا تقلقوا من بعدي، فلسوف يأتي لكم من يهديكم سبيل الرشاد، المهيمن على الكافة والخاتم على الكل. فلو كان المسيح عليه السلام ليبق حيًا لما قال: «من بعدي» ولكان تجاوز عن مثل هذه الكلمة مكتفيًا بالقول: (ومبشرًا برسول يأتي اسمه أحمد)! وهنا يصبح اجتماع الرسولين جائز نصًا، ولكن لقد أقر الله وأنهى المسألة. ولكم في آية البقرة دليل، إذ قال الله على لسان يعقوب وبنوه: «أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» [البقرة] ولو كان المسيح عليه السلام ليبق حيًا لما استُلزم أصلًا بعثة النبي محمد إلى هذا العالم، ولأصبحت بعثته ─صلى الله عليه وسلم─ عبثًا إلهيًا تعالى الله عن ذلك.

ثم، لمَ ميز الله الاتي باسم أحمد؟!
في ذلك يدلنا أيضًا حضرة المسيح الموعود سيدنا أحمد عليه السلام على الجواب فيقول:



بمعنى أن بشارة المسيح الناصري بأن الآتي من بعده سيكون اسمه أحمد وهو اسم جمالي لمحمد المصطفى خاتم النبيين كما هو معلوم لأنه صلى الله عليه وسلم جامع لصفات الجلال والجمال معًا وأن اسم أحمد يخص صفات الجمال فقط، ففي ذلك مشابهة بصفات المسيح ابن مريم بتعاليمه الجميلة ويخص ظلية للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في الجانب الجمالي. وقبل كل ذلك هي بشارة بمجيئ محمد بنفسه صلى الله عليه وسلم.
فهذه البشارة بقدوم رسول تعني حتمًا زوال لكل رسول قد أتى، لا سيما أن الرسول المُبشر به ليس مجرد رسول كالرسل، لكنه خاتم النبيين. فمن يقول بحياة عيسى في السماء على الرغم من وجود محمد على الأرض فهو يرتكب بذلك أكثر من تجاوز للمقدسات الإسلامية فأولًا هو يضرب عرض الحائط بقيمة النبي محمد وفرادته، ويحيله إلى مرتبة ثانوية بينما صاحب المرتبة الرئيسية قابع ومتربع في السماء في انتظار النزول!
ثم يضرب أيضًا في معنى آية البعدية والبشارة ويُحتم باعتقاده هذا ان محمد لم يُبعث بعد لأن البعدية لم تتحقق بعد!
وأهم من ذلك كله، يعرض كلام الله سبحانه للنقض، فالله الذي يقول أن المسيح الناصري مبعوث لقومه ومصدقًا بكتابه، ياتي أخرق ليقول أن المسيح الناصري سيعود ليحكم على القرآن ليكون خاتم النبيين‼

رابعًا/ أما قوله تعالى: «فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين» فلا أدري على من تعود في الحقيقة، على المسيح الناصري المُبشر، أم على محمد رسول الله المُبشر به؟
إلا أني أميل إلى أنها تعود إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهي كذلك دليل قوي على مبعث ظل محمد أيضًا، أي محمد صلى الله عليه وسلم وخادمه عليه السلام معه، وذلك هو سر ذكر البشارة باسم احمد لا باسم محمد، فإن الله سبحانه أراد ان يُجمل أكثر من نبوءة عظيمة في كلمة واحدة هي اسم "أحمد" فهي قصدت محمد صلى الله عليه وسلم بذاته وكذلك قصدته بصفته فكان المتحلي بصفته هو خادمه المتبع لحضرته، غلام أحمد القادياني. وفي ذلك نجد أن كُلاً من السيد خاتم النبيين وخادمه المخلص الأمين تعرضا مع تقديمهما للبينات والآيات لمعارضات رهيبة شُنت عليهما ووصفت ما يعملون بالسحر المبين لأنهما جاءَا بعمل وأثرٍ هدّم أحلامهم وأوهامهم بروحانية لا يعهدونها، فعزوا ما يجهلون إلى السحر كالجاهلين.

:.