الخميس، 27 يوليو 2023

حقًا، إن يسوع يغفر الخطايا

ففي عبارات صريحة وواضحة لا يخالطها شك، قال المسيح لأناس في أكثر من موقف: «مَغْفُورَةٌ لَك خَطَايَاك» فما معنى ذلك إلا ما هو واضح منه؟!

تمهيـــــــد

قبل أن ندخل في غمار موضوع الإثبات هذا (إثبات أن حضرة المسيح يغفر الخطايا)، نسأل ثلاثة أسئلة :–
هل بغفران يسوع خطايا أولئك الأشخاص الذين غفر لهم خطاياهم، يصبحون مطهرين حتى من الخطية الأولى؟!
إذا كان باستطاعة يسوع (كإله) أن يغفر الخطايا كلها، فما فائدة التجسد والفداء والكفارة؟!! (ما فائدة خطة الخلاص هذه برمتها؟!)
إذا كان غفرانه للذين غفر لهم شمل خطيتهم الأصلية، وهذا هو المتوقع، فهل عدم اعتراف هؤلاء برواية المسيحيين لأحداث الصليب يجعلهم خطاة من جديد؟!!!

حقًا إنه يغفر

وكذلك جميعُنا؛ يمكن أن نغفر لجميعِنا
 فإذا كانت مغفرة يسوع لا تشمل الخطية الأولى أيضًا، فما المزية في مغفرته عن مغفرتنا نحن لخطايا الآخرين؟! الحق أقول لكم، إنه لا يكون له مزية أبدًا عن بشر في ذلك.
✓✓ وإذا كانت مغفرته تلك تشمل الخطية الأولى، فحتى غيره من الأنبياء يقومون بذلك تمامًا، بل إن ذلك من واجباتهم المكلفين بها أصلًا.
ولكن كيف هذا، هل نحن نمزح؟!! كلا والله، لكن تعالوا لنرى: -

أصل الحكاية

 لقد عصف بذهني هذا الموضوع بعد أن رأيت جواب أحد الأخوة المسيحيين يرد فيه على قول أحد المسلمين القول: بأن الله تاب على آدم في زمنه وانتهى أمر الخطية.
 فرد الشخص المسيحي ردًا غريبًا حيرني، إذ قال: "هل قال الله لآدم (غفرت لك) ؟ لا، لأن هناك فرق شاسع بين المغفرة ومجرد التوبة" هذا كلام الشخص المسيحي.
 وبعدها بيومين حصل لي هذا العصف الذهني حول هذا الموضوع، ماهية المغفرة.

ما الغفران؟!

في الواقع إن هذه الكلمات "مغفرة" و"غفران" بحد ذاتها تعبر بدلالة واقعية وقوية على بشرية يسوع الخالصة؛ فلو انتبه المسيحيون بوعي لمعنى المغفرة والاستغفار والغفران، لما اعتبروا المسيح إلهًا أصلا، لأن الألوهية (في هذا الإطار) تستلزم أكثر من مجرد المغفرة ومنح الغفران وطلب الاستغفار...

  فإن معنى المغفرة هو الستر والتجاوز عن الذنب (وليس محوه كما سنرى)، وتعني ستر العيوب والتجاوز عن الخطايا (وليس محوها أيضًا "كما سنرى") إنما مغفرة الخطايا والذنوب يعني إخماد أثر سموم ذنوبها، والإقلال من أثر الآثام التي تنتج عنها، فلا تؤثر سلبًا على الإنسان. ولكنها تظل موجوده حتى يُنعِم الله بالعفو.

فما العفو؟!!

والعفو هو الصفح وترك العقوبة، (والصفح أي الإعراض عن الذنب وعدم الإلتفات إليه ثانية)، والعفو هو المحو، وهو المعروف والعطاء من غير مسألة.
فهل عفا المسيح عن أي إنسان، أي محا له ذنبًا؟ كلا.
فكما نرى، المغفرة وحدها لا تمحو الخطايا، بل فقط تستر الذنوب الناتجة عنها، (فمغفرتي لك ذنبك يعني مداراتي على مساوئك وأخطائك فقط، وليس محوها أبدًا). أما الله عز وجل فهو وحده الذي يمحو الذنوب والآثام والخطايا… وهذا ما لم يفعله يسوع.
كما أن العفو يقتضي المقدرة، ولم يكن يسوع قادرًا على عقوبة أحد أصلًا، فأنَّا له أن يعفو؟!

التوبة

أما التوبة فهي الرجوع، فتوبتي إلى الله تعني رجوعي إليه بندم، وتوبته عز وجل عليَّ يعني أنه تعالى عاد عليَّ بفضله. وحتى هذه لم يفعلها يسوع؛ لأن الذي يتوب على الخلق هو خالقهم، الله وحده.
فمن كل ذلك، ندرك أن المغفرة هي أقل شيء يمكن إسداءه أمام الخطية والذنب، بينما العفو فهو أعلى وأعلى وأجدر بالمقتدر، في حين أن التوبة فكأنها اللباس الجديد الذي يعطيه الله تفضلًا بعد حرق لباس الخطية ومحوه...
وهذا ما حدث لآدم بعدما أذنب، فإن الله تاب عليه، يعني أفاض عليه بفضله. لأن آدم ما كان قاصدًا أن يذنب، ولا الله كان قاعدًا مترصدًا لتصيد الزلات، بل يغفر (أي يستر ويتجاوز) وليس ذلك فحسب، بل ويعفو (أي يمحو ويصفح)، بل ويعطي أكثر فيتوب   (أي يفيض بالفضل العميم) فهذا هو الرحمن الرحيم.
إذن، فليست المغفرة شيئ أمام العفو، وتوبة الله أكثر فضلًا.
فأي إله أحق بالعبادة إن كنتم صادقين؟

الثلاثاء، 20 يونيو 2023

مسلمات محمد السابع لدحض الأفروسنتريك

يدعي دعاة الافروسنتريك أنهم أصحاب الحضارة المصرية، وأبرز دليلهم حول هذا الادعاء هو حكم الأسرة 25 التي كانت عاصماتها نباتا وما خلفته من آثار أسلوبها مصري لكن بملامح زنـچـيـــة، والرد على هذا الادعاء هو السؤال الآتي، لماذا لم يتخذوا من طيبة عاصمة لهم لحكم مصر كما كان معتادًا طوال معظم فترة الأسرات المصرية؟

والجواب أنهم غرباء على مصر، ولذلك حين أقاموا عاصمتهم نباتا في فترة حكمهم لمصر جعلوها بعيدة عن العمق المصري مثلهم مثل أي أصول غريبة حكمت مصر لفترة مؤقتة مثل الهكسوس أو اليونان، وذلك بسبب الخشية الدائمة من الانقلاب عليهم من المصريين ولعدم انتمائهم الطبيعي للأرض المصرية.

وفي الأسطر التالية سنقدم مُسلمات تفيد ببعد هذه القضية عن الواقع على الأرض علميًا ومنطقيًا لا شك فيه ولا يرفضه دارس أو مهتم.

 

 

المسلمة الأولى

مسلمة البحث عن حياة

إذا حصل انتقال شخصي من مكان إلى آخر، فهذا الانتقال لا يكون بغرض إنشاء حضارة إنسانية، إنما يكون غايته البحث عن حياة آدمية معقولة.

❶ الإمبراطورية المصرية في عهد الأسرات
 ١٨، ١٩، ٢٠ لمدة حوالي ست قرون متتالية

فإذا صادف هذا الوجود الشخصي، الباحث عن حياة، مقومات أكثر مما كان يتصور، فيعيش ويزدهر بناءً على مقومات المكان وظروفه الإيجابية، طبيعية كانت أو بشرية، في مكان لجوءه، فاستطاع البناء والظهور والنجاح والحضور... فإن هذا الحضور لا يكون متأسسًا على جيناته أو شخصيته الذاتية أصلا، إذ قد فشل هو نفسه سلفًا بنفس هذه الجينات وذات تلك الشخصية في مكان موطنه الأول، وما ذاق الظهور إلا في مكان اللجوء بحثًا عن حياة آدمية.

إذن، فالجينات والشخصية الذاتية لوحدهما لا تؤسسان حضارة مميزة، لأنه بدون مقومات إيجابية، طبيعية كانت أو بشرية، لا يكتب لهذا الجين أو الشخصية الظهور بتميز أصلًا.

كل هذه المُسلمة اختصرها المؤرخ هيرودوت في ثلاث كلمات حين قال: "مصر هبة النيل".

 

المسلمة الثانية

مُسلَّمة رعايا الإمبراطورية

وإذا لم يحصل انتقال شخصي للشعوب من موطنهم الأصلي، على اختلاف أجناسهم وثقافاتهم، إلى موطن آخر، ولكن حصل أن امتد النفوذ في دولة من الدول بفترة من الفترات وشمل هذا التوسع أراض أولئك الشعوب.. فإن قيام أي حضارة في هذه الأراضي، التي تم بسط النفوذ عليها أثناء وجود الدولة المتوسعة، إنما يرجع نسبتها وفضل تأسيسها إلى موطن حكامها وليس إلى عنصر المحكومين.. لأن نوعية الحضارة، الخاص بالدولة المتوسعة والازدهار الحاصل فيه، ما كان ليحدث في تلك البقاع لولا شمولها ضمن هذا النفوذ ودخولها تحت رعاية الدولة المتوسعة على أراض تلك الشعوب فأصبحت من رعاياها وتخضع لقوانينها وتمتثل لأسلوب حكمها.

❷ جدارية من مقبرة الملك ستي الأول - من الأسرة ١٩
مصور فيها رعايا الإمبراطورية المصرية من الأجناس الأربعة الذين كانوا تحت حكمها

    

باختصار، إذا خضعت بعض الشعوب لحكم إمبراطورية متوسعة فقد أصبح أولئك الشعوب من رعايا تلك الإمبراطورية وما تأسس من حضارة في أراضيهم أثناء خضوعهم للإمبراطورية الحاكمة ترجع نسبته للإمبراطورية المتوسعة وحكامها.

المسلمة الثالثة

مسلمة الحضارة ومركز الحكم

كلما ازداد الابتعاد عن نطاق العواصم "مركز الحكم" قل التأثير الحضاري المدني وزاد النفوذ الأمني، لضمان سلامة الحدود. وبناء على ذلك كان طلب العلم والشهرة والمناصب المرموقة في الدولة يُقصد وتزيد فُرصه كلما زاد الاقتراب من مركز الحكم، أي العواصم وما حولها، حيث تزداد فرص الظهور وتحقيق الطموحات الشخصية، وتخبو تدريجيًا كلما ابتعدنا عن المركز.

باختصار، الحكم المصري استقر بعواصم مركزية على وادي النيل وفي العمق المصري، وحولها كانت الحضارة التي نراها الآن، وكلما ابتعدنا عن هذه العواصم قلت المظاهر الحضارية.

هذا حتى وإن كانت المقومات الطبيعية والقوى البشرية والقدرة المادية متوافرة في الأطراف المترامية أو النائية. ذلك لأن مركز التنظيم والإدارة للقوى والموارد يكون في الأصل متمركزًا في العواصم وتأثيره المباشر على المدن الرئيسية.

هذا إلا في بعض العصور التي حكم فيها غير المصريين، فإنهم ينقلون عواصمهم وقتئذ إلى قرب موطنهم الأصلي، على أطراف حدود القُطر الطبيعية أو خارجه كليةً بسبب الخشية الدائمة من الانقلاب عليهم من المصريين ولعدم انتمائهم الطبيعي للأرض المصرية.

كحالة العاصمة "أواريس" 1660-1580ق. م في عهد الهكسوس وكانت في الطرف الشمالي الشرقي لمصر وقت الأسرتين 15، 16.

وحالة العاصمة "نباتا" 716-663ق. م للمملكة الكوشية حيث كانت خارج الحدود المصرية الطبيعية الجنوبية الحالية وقت الأسرة 25.

وحالة العاصمة "الإسكندرية" 332ق. م - 641م في أقصى شمال مصر على ساحل المتوسط وكانت عاصمة للدولة البطلمية في الأسرة 31 وما بعدها حيث الوجود الروماني.