السبت، 11 أبريل 2020

لماذا عُلِّق على الصليب ولم يُرجم خلافًا للشريعة اليهودية؟

في هذا الموضوع سنقوم باستخلاص المغزى المخفي من تبديل طبيعة الحُكم الذي نُفذ على السيد المسيح الناصري من تشريع الموت رجمًا إلى حُكم التعليق على الصليب

تشريع العقوبة

ورد التشريع الديني اليهودي التالي تجاه كل من جدّف[1] على اسم الرب: «أَخْرِجِ الَّذِي سَبَّ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ، فَيَضَعَ جَمِيعُ السَّامِعِينَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَرْجُمَهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ. وَكَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: كُلُّ مَنْ سَبَّ إِلهَهُ يَحْمِلُ خَطِيَّتَهُ، وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْمًا. الْغَرِيبُ كَالْوَطَنِيِّ عِنْدَمَا يُجَدِّفُ عَلَى الاسْمِ يُقْتَلُ»[2] (يعني أن عقوبة التجديف هي القتل رجمًا بغض النظر عن المُجدف).

• الاتهام والعقوبة

هذا وقد أشيع عن السيد المسيح بين شيوخ اليهود أنه مُجدِّف فقالوا: «هذَا يُجَدِّفُ!»[3]، وقال السيد المسيح محاورًا خصومه: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟ أَجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: "لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ[4]، وصرّح رئيس الكهنة بذلك أيضًا قبل تنفيذ الحكم بيوم واحد قائلًا: «"قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! مَاذَا تَرَوْنَ؟" فَأَجَابُوا وَقَالوُا: "إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ"»[5].. والجدير بالذكر أن التجديف هنا لا يقتصر على توجيه السباب إلى اسم الله كما ورد في (لا 24/ 15ـ16) وإنما يشمل أي إهانة موجهة إلى جلاله أو سلطانه.. فكان زعم يسوع بأنه المسيح وأنه يتمتع بجلال وسلطان يقتصران على الله وحده بمثابة تجديف في نظر قيافا (رئيس الكهنة)، وهذه جريمة تعاقب شريعة موسى مرتكبها بالإعدام رجمًا[6]

• تغييّر الحُكم

والغريب أنه على الرغم من وجود تشريع ديني يهودي واضح برجم المُجدف حتى القتل، وقد توافرت كل ما يجعل التُهمة لصيقة بالمُتهم من أقوال أُخذت عليه، وتوفير شهود زور وغير زور ضده لتثبيت التُهمة وإنفاذ العقوبة التي هي القتل رجمًا، نجد أن هناك تحول هام وجوهري وغريب قد حصل في ذلك الوقت، فقد استعمل الحاكم الروماني بيلاطس حيلة نفسية جماهيرية ونفذها ببراعة[7]، فرغم التشريع الديني اليهودي الموثق، ورغم كبار مشايخ اليهود، وجاهزية التهمة والشهود ومعرفة وتحديد العقوبة... رمى بيلاطس كل ذلك عرض الحائط بناء على سلطته

وقرر أن يغير الحكم بالعقوبة، من القتل رجمًا إلى مجرد التعليق على الصليب، ولكن على أن يكون ذلك مطلبًا شعبيًا جماهيريًا، ليطغى على التشريع الديني، رغم أنف كبار مشايخ المجلس اليهودي! «قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: "فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟" قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: «لِيُصْلَبْ!» فَقَالَ الْوَالِي: "وَأَيَّ شَرّ عَمِلَ؟" فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخًا قَائِلِينَ: "لِيُصْلَبْ!"»[8].. وبهذا اعتُمد هذا الحُكم جماهيريًا، بعد أن بثته السلطة السياسية بالطبع ورسَّخته، وصارت الحكومة تمسك بزمام جميع الأمور تجاه شخص المُتهم، على عكس الرجم الذي سيجعل المتهم بين أيدي الغوغاء والعامة مباشرة تمامًا، ما ينفي أي احتمالية ولو ضئيلة للنجاة.

• الشروع في التنفيذ

قال الراوي: «ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ»[9].. واللافت أن في وقت هذا الاقتياد لم يذكر أي من الرواة أي محاولة مشيخية يهودية لتعديل ذلك الحكم بالعقوبة الصادرة حكوميًا الذي هو التعليق على الصليب لرده، بناء على التشدد الديني، إلى روح الشريعة اليهودية ليكون قتل رجمًا. وقد كانت سياسة روما العامة أن تترك للمجلس اليهودي حرية تصرف كبيرة، وقد كان ذلك المجلس يدير شؤون اليهود في حياتهم الدينية والسياسية، في الحدود التي فرضها الاحتلال الروماني، وقد كان لذلك المجلس الحق في إصدار الحكم بالإعدام وتنفيذه، ولكن مع ذلك كان إذن الحاكم ضروريًا لتنفيذ العقاب[10] ويبدو أن مشايخ اليهود قد وجدوا أنفسهم أمام ذلك الوضع في حرج قد يصادمهم مع الحكومة وعامة الشعب الذي أقر بلسانه الحكم.

• تنبيهات وردود

قد يقول بعض المسيحيين الأفاضل: إنها خطة الله ليتم ما قال الكتاب. فأقول إنه من الواجب أن تتحلى خطة الله بالتبريرات المقبولة والمعقولة، حتى لا يخرج من بعد ناقدين كأمثالي، بسبب عشوائية غير مبررة، فينقضونها ويبنون على النصوص الكتابية الموجودة نتائج منطقية صحيحة، مغايرة للمعتقد السائد لديكم. وذلك بناء على سير الأحداث الطبيعي المبين في النص.

ويبدو من النص الإنجيلي أيضًا بأن يسوع والمقربين منه جدًا على دراية مسبقة بهذه الخطة سلفًا[11]، حتى أن بداية التنفيذ كانت على خلاف إرادة مشايخ، وباستباق حكومي مقصود ومُرتب له جيدًا[12]

هذا بالإضافة إلى أن ما قيل في كتب الأنبياء من نبوءات حول التعلق على خشبة الصليب لهو إفادة جلية بالفعل لما حدث، وتصريح واضح إلى أن تلك العقوبة (أي الصليب) سيكون من ورائها مغزى هام ينكشف مع مرور الأيام بتبرير منطقي، لن يكون متاحًا إذا نُفذت عقوبة الرجم.

السؤال الآن، إذا كان كل ذلك قد تم كما قلنا بترتيب مسبق، وبالتعاون مع أنصار يسوع المسيح، ومنهم أبرز رجال الدولة، فلماذا لم يتم تفادي كل ذلك بالقيام بتهريب يسوع وينتهي كل شيء؟! وإجابة هذا السؤال على جانبين:

أولًا، أن يسوع في فترة وجوده الأخيرة في تلك المنطقة كان تحت المراقبة الدائمة من مشايخ اليهود، وبعض من كانوا يظهرون نصرته، كيهوذا، والذي كان يعلمه يسوع، وكان ينقل للمشايخ أخباره أولًا بأول. ما جعل محاولة ترك المنطقة في تلك الفترة من الصعوبة بمكان، بالإضافة إلى استمرار التهديد بانعدام الأمن حتى بعد الرحيل.

ثانيًا، كانت الدولة الرومانية لها قوانينها الصارمة، والتي لا يُسمح فيها بالتلاعب من أي شخص حتى ولو كان من حكامها، فإذا كان بيلاطس قد حصل على يسوع كمتهم من قِبل مشايخ اليهود، فكان عليه التعامل معه كمتهم، وإنفاذ عليه القانون. يعني لا يستطيع أن يكتفي بسجنه مثلًا ثم يعمل على تهريبه مستقبلًا.. هذا تصور حالم وغير واقعي.

وبهذا ومع تضايق الدوائر أكثر فأكثر في ذلك الوقت، كان أبرز وضع للنجاة حينها أن يتم القبض على يسوع من المشايخ ويُسلم لأيدي الحكومة فتفعل فيه ما تشاء من عقوبة بعيدًا عن رغبة مشايخ اليهود الذين أرادوا إهلاكه.

التبرير المنطقي

أما الآن فإن المبرر المقبول والمنطقي لاعتماد حُكم التعليق على الصليب بدلًا من الرجم حتى الموت على السيد المسيح بخلاف ما نصت عليه الشريعة الدينية اليهودية، كان بترتيب وتدبير مسبق من كبار مناصريه وأتباعه، وأبرزهم بيلاطس البنطي الذي أوعز إلى رجاله ضمان إبقاء المسيح حيًا. وذلك يقتضي إشاعة وترسيخ وتزيين في أذهان الجماهير بل وحتى الشيوخ المتشددين لحساب الشريعة وجوب إهلاكه صلبًا وليس رجمًا.
وكان الهدف والمغزى من ذلك هو أن نتيجة الرجم هي الموت السريع والمُحقق دون احتمالات أخرى واردة للنجاة. بينما الصليب فإن احتمال النجاة منه أكبر وأضمن كثيرًا جدًا، بل إن الرعاية الحكومية لتحيط بالمتهم المُعلق طوال فترة التعلق على الخشبة وبدون تدخل جماهيري مدني أو ديني من أي نوع يُذكر، ما يجعل المُعلق في حفاظة حكومية دائمة بمنأى عن أي تصرف متهور وغير محسوب.

مثال من واقع الحدث

استمر وضع اللصين اللذَيّن حُكم عليهما مع السيد المسيح بنفس الحكم استمر لمدة 9 ساعات أحياء على الصليب ولم يموتا إلا بعد أن كُسرت ساقيهما، ما سبب لهما هبوطًا مفاجئًا في الدورة الدموية جراء التعلق الذي لا يُميت بذاته مهما طال. في حين لم يحدث ذلك للسيد يسوع المسيح فلم تُكسر له ساق! فنزل عن الصليب حيًا[13]

وتدل طريقة الدفن المغايرة لعادات الدفن عند اليهود[14] والتي حصلت لجسم يسوع المسيح بعد نزوله عن الصليب -وقد تم العمل بهذه الطريقة للدفن مع المسيح بخلاف ما اعتادت عليه الجماعات اليهودية قديما أو حديثًا وبما لا تدعو الضرورة لعمله[15]- على أن خطة الحفاظ على حياته كانت مستمرة وقائمة على قدمٍ وساق دون تراخي ولا تهاون في أي من التفاصيل الصغيرة أو الاحتمالات.

 

 

الهوامش والمراجع

 



[1] جدف: أي تكلم بأقوال ضد الذات الإلهية

[2] لا 24/ 15ـ16

[3] مت 9/ 3

[4] يو 10/ 32ـ33

[5] مت 26/ 65-66

[6] التعليق على آية 64 أصحاح 14 من إنجيل مرقس، الكتاب المقدس الدراسي على ترجمة الحياة، القاهرة – مصر ط4 س2018 [الهامش] ص2399

[7] كان الحاكم في ذلك الوقت متعودًا في العيد أَنْ يطلق للناس مسجونا واحدًا يختارونه، وكان لديهم حينها سجين شهير اسمه بَارَابَاسَ، وفي ذلك الوقت المشحون قال لهم الحاكم بيلاطس: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» فردوا قالين "باراباس" وهنا أوحى لعقولهم المشحونة بأن يحمل يسوع عقوبة السجين باراباس التي هي الصلب. ولما انتهى من رأي الشعب، انتقل إلى استنطاق المشايخ بنفس الحكم، فنادى في الناس قائلًا: "ولكن يسوع هذا مظلومًا، وأن امرأتي تألمت في حلم من أجله الليلة، فلما رأى المشايخ أن الوضع قد ينقلب ضدهم زادوا في تحريض الجموع في طلب باراباس ويهلكوا يسوع. وهنا توجه الوالي إلى مشايخ سائلًا: «أي مِنْ الاثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ سراحه لكم؟!» فَقَالُ المشايخ هنا: «بَارَابَاسَ» ولكن بيلاطس الحاكم لم يكتفي بذلك، بل أكد على الحكم المتحول لديهم قائلًا: «فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» وهنا حصل على مراده حين قالوا جميعًا «لِيُصْلَبْ!» (وردت هذه الحادثة في إنجيل متى 27/ 15-22)

[8] مت 27/ 22ـ23

[9] مر 15/ 20

[10] تعليق على آية 65 أصحاح 26 من إنجيل متى، لبنان ط3 دار المشرق، س1994 [الهامش] ص113، ترجمة الكتاب المقدس، الرهبانية اليسوعية "جيزويت"، الأب صبحي حموي اليسوعي، الأب يوسف قوشاقجي، بالتعاون مع الأستاذ بطرس البستاني.

[11] فقد ورد صراحة في الإنجيل النص التالي على لسان يسوع: «تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ» ويكمل الراوي النص قائلًا: «حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَشُيُوخُ الشَّعْب إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ الَّذِي يُدْعَى قَيَافَا، وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يُمْسِكُوا يَسُوعَ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُوهُ. وَلكِنَّهُمْ قَالُوا: «لَيْسَ فِي الْعِيدِ لِئَلاَّ يَكُونَ شَغَبٌ فِي الشَّعْبِ» (مت 26/ 2-5) فيسوع أولًا لديه علم مسبق بالصليب وليس الرجم، وكان ترتيب المشايخ ألا يتم ذلك في العيد، فتم خلاف كل ما أرادوا!

[12] «وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْب عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاَطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي» (مت 27/ 2) وكان ذلك على أن يكون تنفيذ الحكم بعد العيد، ولكن الخطة كانت أن يتم كل ذلك في العيد وقبل السبت.

[13] "قيامة المسيح" الدليل الكتابي العلمي حول إثبات نزول السيد المسيح حيًا عن الصليب

 [14] عند اليهود اهتمام خاص بالدفن في مقابر الأسرة، وهذا على خلاف ما حصل مع يسوع إذ وضع جسده في قبر لغريب وبدون مراسم دفن أو جنائز! عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، القاهرة، ج5، الدفن والمدافن، ص286، 287، ط1، س1999

[15] قد تدعو الضرورة لتكون طريقة "دفن الموتى" بوضع الجثة فوق سطح الأرض في غرفة جافة ومغلقة، وهذا كما يحدث في بلدان مثل مصر. وهي ضرورة بيئية، حيث يكون عند الحفر لمسافات غير طويلة في بلد مثل مصر ظهور تسرب المياه في المكان المحفور بسبب تشبع الأرض بمياه النيل ما يجعل الجثة في حالة غير آمنة ولا يؤدي إلى التحلل المناسب في مكان جاف. ولكن هذه المعذورات لم تكن موجودة في أرض فلسطين، بل إنها أرض جبلية ومرتفعات.

الثلاثاء، 17 مارس 2020

هل تفرد السيد المسيح بأنه «كلمة الله»؟


يُسمي الإخوة المسيحيون السيد المسيح أنه "كلمة الله" ويبنون على ذلك اعتقاد أنه إله لأن الكلمة هي تعبير عن الذات، وابن الله، لأنه كما يُقال أن الكلمة بنت الشفة، وهي من بنات الفكر والعقل.. ولقد لمّحنا بالإشارة في موضوع سابق(1) إلى أن بنوة البشر لله تعالى إنما هي مجازية في الحقيقة، ولم يتفرد بها السيد المسيح الناصري أبدًا بل كل مختاري الله وأصفياءه قبل المسيح أيضًا قد نالوا هذا الشرف وأكثر.
ولكن ماذا عن "الكلمة"، هل كان السيد المسيح كلمة الله الوحيد؟ هذا ما سنبينه الآن في الأسطر التالية:
• وصف المسيح لنفسه
لقد تمحور هذا الاعتقاد المسيحي بأن المسيح هو الكلمة "المتفرد" انطلاقًا من الفهم المغلوط لمطلع إنجيل يوحنا 1/ 2-3 والذي سَنُجَلّي حقيقته هنا بإذن الله أيضًا.
أما عن المسيح وما وصف به نفسه فما زاد عن قوله: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ» يو 14/ 6 يعني ما هو إلا أنه [أولًا] الوسيلة الموصلة إلى الله، وأنه [ثانيًا] مُحقًا في دعواه، وأن [ثالثًا] اتِّباعه ذي جدوى ومبشر بالنجاة والفوز، وهذا كما لا يخفى هو كذلك وصف أي نبي من أنبياء الله.
• في أسفار العهد القديم
بينما وردت ألفاظ «كلَّم الله» أو «كلّمة الرب» في الكتاب المقدس بعهده القديم حول معنى وحيد وحصري وهو أن الله يأمر أو يوجّه أو يقرر فقط لا غير، ويكون ذلك (بواسطة الوحي) مع من يكلمهم. فكلمة الله في تلك الحالة إذن ليست متعلقة بشخص بعينه، بل شملت كل مختاري الله وأصفياءه الذين عينهم لخلاص الناس، بل وتعدتهم أيضًا إلى أن تُعبر عن تجسيد إرادة الله في الأرض(2) ونفاذها، سواء كانت هذه الإرادة الإلهية هي عبارة عن توجيه إلهي حول مسائل العبادة أو طقوسها أو الحياة العامة، أو كانت قرارًا إلهيًا بمعاقبة قوم أو شخص ما جراء جرم افتعله أو تجاوز اجترمه، أو تكون أمر إلهي بمجازاة ومكافأة شخص أو جماعة... إلخ
= وأثباتًا لهذا الكلام، يقدم الله في سفر إشعياء هذا الإيضاح الجلي فيقول: «لأن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقكم طرقي يقول الرب. لانه كما علت السماوات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم. لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هناك بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتعطي زرعا للزارع وخبزا للآكل، هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له» إش 55/ 8-12. بمعنى أن كلمة الله هي قراره ومشيئته النافذة حتمًا.
أما عن المسيح فهو نتاج كلمة الله كغيره من الأوامر والتوجيهات والقرارات الإلهية، وهو لم يكن قبل أن يولد شيء، إلا في علم الله الأزلي، بل كما بينّا كانت الكلمة ─كلمة الله─ (أي القرار والأمر والتوجيه الإلهي) من قبل تتجسد في مظاهر عديدة أخرى، فخلق السماوات والأرض كلمة من الله، وخلق الإنسان وآدم كذلك كلمة من الله، والطوفان كلمة من الله، وخروج بني إسرائيل من مصر أيضًا كلمة من الله، ودخولهم الأرض المقدسة كلمة من الله، وتدمير الهيكل كلمة من الله... إلخ، وكذلك المسيح كلمة من الله أيضًا مثل ما سبق، كعادة الله الدائمة. فكلمة الله لم تكن حصرًا للمسيح، وإلا فباطل هو الناموس إذن، إذا قصرنا كلمة الله على المسيح وحده.
• الكلمة في العهد الجديد (الأناجيل)
لم يختلف مفهوم ومعنى (الكلمة الإلهية) في الأناجيل الأربعة ─وذلك في كل موضع─ عما كان متعارفًا عليه في كتب العهد القديم؛ أي أنها قرارًا أو أمرًا أو توجيهًا إلهيًا، تمامًا مثلما كان معهودًا. وبنفس هذه المعاني ذاتها، أتت أيضًا لفظة «الكلمة» في صدر إنجيل يوحنا حين قال: «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» والمعنى الذي ينبغي أن يُفهم منها ─بناء على منهج الاستنباط الصحيح(3)─ هو التالي: (في بداية الأمر كان "قرار الله"(4)، ولأن الله هو الأزلي الأوحد، فالقرار لم يكن بيد أحد، إنما كان بيد الله "عند الله"، فكان القرار إلهيًا محضًا ─لإبعاد أي شبهة نزاع أو صراع قوى(5) أو بأن الكون أوجد نفسه تلقائيًا ويعمل ديناميكيًا─ فهذه هي بداية قصة الخلق؛ القرار الإلهي أنتج كل شيء، وبغير هذا القرار لم يكن أي شيء مما نرى).

هذا هو التوجه المنطقي، فليس طبيعيًا أبدًا أن تأخذ اللفظة الواحدة معنى عام واحد في متن الكتاب المقدس كله، من أول سفر التكوين ومحتوياته وحتى نهاية إنجيل لوقا بأحداثه، ثم وبدون أي مقدمات أو معطيات سابقة مؤهِلة ينقلب المعنى المعهود إلى آخر غريب وغير مألوف! وليس ذلك فحسب، بل وبعد هذه الفقرة (أي صدر إنجيل يوحنا) التي أخذ المسيحيون تفسيرها بشكل قسري مغاير على غير المألوف في السابق، أتى بعد ذلك استعمالها أيضًا في نفس السفر (أي إنجيل يوحنا) بالمعنى والتوجه الطبيعي السابق، وغير هذا الذي اعتُمد قسرًا في تفسير فقرة صدر الإنجيل ليوحنا! وكذلك عاد الاستعمال الطبيعي لها في باق متن العهد الجديد كما سنرى.
• في العهد الجديد (أعمال الرسل والرسائل)
أخذ مصطلح "الكلمة" و"كلمة الرب" و"كلمة الله" في مرحلة ما بعد الأناجيل منحى آخر شبه مغاير لما كانت عليه في السابق، ولكنه غير مختلف، فصارت تحمل معنى (الدعوة إلى الله بالأسلوب الصحيح الذي أرساه المسيح) أي (دعوة المسيح) أو (رسالة المسيح)(6) وهذا يعني أيضًا أن معنى الكلمة ذهب إلى العمل المراد إنفاذه أي إنفاذ إرادة الله في القوم، أي الرسالة والخدمة والدعوة. ولم يُعنىَ بها أنها موجهة للتعريف بالشخص أي المسيح بعينه.
• في سفر الرؤيا
وكذلك لم يختلف معنى لفظ "كلمة الله" في سفر الرؤيا عنه في سائر الرسائل أو حتى في الأناجيل، بل أتت وكأنها قاسم مشترك بينهما؛ وبذلك يعود المعنى في العهد الجديد إلى ما كان متعارف عليه في العهد القديم حول مفهوم ومعنى هذا اللفظ. بل وقد ميز القديس يوحنا اللاهوتي (صاحب سفر الرؤيا) بين كلمة الله ودعوة يسوع المسيح في أكثر من موضع في تدوين سفر الرؤيا ولم يعتبرهما أبدًا أمرًا واحدًا! إلا في موضع واحد فقط هو رؤ 19/ 13 حيث يذكر الكاتب: «وَيُدْعَى اسْمُهُ "كَلِمَةَ اللهِ"» والذي بقراءته يتضح منه أن ليس المسيح هو المقصود فيه، بل بتتبع بسيط لسياق النص نجد أن المقصود بهذا الاسم "كلمة الله" هو النبي محمد ﷺ لا لشيء إلا لانطباق مواصفات النص عليه جدًا، أكثر من حضرة المسيح الناصري(7).
• بيان القرآن الكريم
أما في القرآن الكريم، فقد وردت لفظة "كلمة الله" بمعنى واحد ووحيد هو قرار الله وإرادته أيضًا، كما في سورة التوبة الآية 40 والجدير بالذكر أنها كانت في سياق الحديث عن رسول الله محمد ﷺ وكيف نصره الله أثناء هجرته. فهو ﷺ بحسب هذه الآية الكريمة يكون "كلمة الله العليا".
أما عن المسيح عليه السلام فقد وصفه الله بأنه (كلمة منه) كما في سورة آل عمران 46 وقُصد بها قرار وأمر من الله. ولكن لم يتفرد حضرته عليه السلام بذلك إذ قد عُرف يوحنا المعمدان كذلك أي "النبي يحيى بن زكريا عليهما السلام" بأنه "كلمة من الله" أيضًا كما في آل عمران 40
أما آية سورة النساء فقد ورد {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} (النساء: 172) فإن المعنى البسيط والتلقائي الذي يتبين منها هو (إنما [وهو حرف يفيد الحصر ويدل على التوكيد] المسيح ابن مريم رسول الله وَكَلِمَتُهُ =[إرادته، وتوجيهاته، وقراراته، وأوامره] أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ  ─بوحي منه─ وَرُوحٌ مِنْهُ [رحمة من الله] فآمنوا بالله ورسله =[الذين يحملون على عاتقهم هذه التوجيهات والقرارات والأوامر وينفذونها]).
فعلى الرغم من وصف الله له عليه السلام برسول الله، إلا أنه الله لم يكتف في هذه الآية بتوجيه المؤمنين فيها بأن يقول لهم: (فآمنوا بالله ورسوله) لكي يُفهم بأن الإيمان يجب أن يرجع وينتهي عند المسيح ابن مريم الناصري، بل قال: «فآمنوا بالله ورسله» ليُفهم بأن المسيح رسول كبقية الرسل من قبله ويأتي من بعده رسل أيضًا وعلى الناس أن يؤمنوا بهم جميعًا بحسب هذا الأمر

الحواشي
───────
(2). [أمثلة] ككلمة الله في أمر زواج إسحق برفقة تك 24/ 51، وكلمته تعالى في توجيه موسى وهرون لتعيين شهر رأس السنة خر 12/ 1، وكلمته لموسى ليوجه هرون حول كيفية الدخول في محضر الله لا 16/ 1، وككلمة الله وقراره في بني إسرائيل أن يبقوا في البرية ولن يدخلوا الأرض الموعودة عد 14/ 26- 30، وككلمته تعالى لتحديد وصاياه للشعب وأمره لهم بالأخذ بها وتنفيذها تث 6، وككلمته التوجيهية ليشوع بالصعود من الأردن يش 4/ 15-17، وككلمته تعالى وقراره بمعاقبة من عبدوا البعل من بني إسرائيل وإرسال مخلصين للشعب قض 2/ 15، وككلمته التوجيهية لصموئيل كي يذبح للرب، وقرار الله باختيار داوود ملكًا 1صم 16/ 5-12، وككلمة الله لداوود وقراره بأن يكون ابنه سليمان هو مؤسس مملكة الله، وكلمته تعالى وقراره بإهلاك إيزابل زوجة آخاب الملك بأن تأكلها الكلاب 1مل 21/ 23، وكقرار الله وكلمته العامة للأنبياء بمعاقبة أورشليم ويهوذا أشد العقاب لاتخاذهم الأصنام 2مل 21/ 12، وككلمة الله لجاد النبي وقراره بإنزال عقاب على الشعب 1أخ 21/ 9-15، وكمكالمة الله الطويلة مع أيوب بين لوم وعتاب في سفر أيوب، وكلمته الغاضبة نحو أصدقاءه وتوجيههم بتقديم كفارة من خلال أيوب أي 42/ 7-8، وكإعلان أن بقرار الرب صُنعت السماوات وتكونت فيها مقوماتها مز 33/ 6، وكقراره بإصدار كلمته ضد موآب لإبادتهم في خلال ثلاث سنوات إش 16/ 13، وكلمته التوجيهية لإرميا بكتابة ما يمليه عليه الرب وقراره برد مجد إسرائيل إر 30/ 1-3، وكما ألقى الله كلمته على هوشع النبي بجميع ما فيها من توجيهات وقرارات وأوامر.
(3). الاستنباط: أي استخلاص المعلومة الخاصة من المعلومات العامة. والمعلومة الخاصة المراد توضيح معناها الآن هي معنى "الكلمة" في إنجيل يوحنا، أما المعلومات العامة التي سنَستنبِط منها المعنى المراد فهي في عموم متن الكتاب المقدس.
(4). بمقابلة هذا الجزء من الآية «في البدء كان الكلمة» مع تك 1/ 1 يتبين أن البدء المقصود فيها هو بدء الخليقة وليس الوجود الإلهي فالله موجود أزلي بلا بداية. فالكلمة هنا هي القرار الإلهي لبدء الخلق (في البدء خلق الله بكلمة، قرار الخلق). كما يؤكد هذا المعنى ما ذهب إليه بولس في رسالته عب 1/ 10 «وأنت يا رب في البدء أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك».
(5). كان معظم شعوب الشرق الأدنى القديم، يتداولون أساطير ترتبط بكيفية تكوين العالم. وكان من أبرز تلك الأساطير تلك القصص التي حكت كيف أن أحد الآلهة انتصر على وحش شرس وقوي، يرمز إلى الفوضى، وبعد ذلك قام هذا الإله بتنظيم العالم بالطريقة المرتبة التي يعرفها الناس. وفي النهاية أعلن بقية الآلهة أنه الملك الإلهي المسيطر على العالم الذي خلقه، وتلك مكانة ظلت دائماً محل تحدٍ من قِبَل قوى الفوضى. وفي مقابل كل هذه الأساطير الوثنية، فهذه عقيدة لاهوتية مختلفة اختلافاً جذرياً عن قصة الخلق في الاساطير، وهي أن الإله الحقيقي الواحد والوحيد لم يكن مضطراً إلى قهر قوى كونية رهيبة تمثل الفوضى ولكنه ببساطة أصدر أوامر ملكية أخرجت إلى الوجود هذا العالم المرتب، وهو الملكوت المنظور الذي ما زالت هذه الأوامر تحافظ على بقائه وترتيبه. [الكتاب المقدس الدراسي "التفسير"]
(6). ودليل ذلك أن في ترجمات كثيرة أخرى "معتمدة" للكتاب المقدس وردت بلفظ الجمع "كلام الرب" ودعوة الرب".
(7). فقد عُرف في الآثار المختلفة بأنه الصادق الأمين، وأنه حكم وحارب بالعدل وباسمه خضعت تيجان الامبراطوريات العظمى فارس والروم... في حين لم يتمتع لا المسيح ولا أتباعه الأوائل بهذه المواصفات.